بيان :
قوله تعالى :
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
الازجاء على ما في مجمع البيان سوق الشيء حالا بعد حال فالمراد به إجراء السفن في البحر بإرسال الرياح ونحوه وجعل الماء رطبا مائعا يقبل الجري والخرق ، والفلك جمع الفلكة وهي السفينة .
وابتغاء الفضل طلب الرزق فإن الجواد إنما يجود غالبا بما زاد على مقدار حاجة نفسه وفضل الشيء ما زاد وبقي منه ومن ابتدائية ، وربما قيل : إنها للتبعيض ، وذيل الآية تعليل للحكم بالرحمة ، والمعنى ظاهر . والآية تمهيد لتاليها .
قوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
إلى آخر الآية ؛ الضر الشدة ، ومس الضر في البحر هو خوف الغرق بالاشراف عليه بعصف الرياح وتقاذف الأمواج ونحو ذلك .
وقوله :
ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
المراد بالضلال - على ما ذكروا - الذهاب عن الخواطر دون الخروج عن الطريق وقيل : هو بمعنى الضياع من قولهم : ضل عن فلان كذا أي ضاع عنه ويعود على أي حال إلى معنى النسيان .
والمراد بالدعاء دعاء المسألة دون دعاء العبادة فيعم قوله :
« مَنْ تَدْعُونَ »
الإله الحق والآلهة الباطلة التي يدعوها المشركون ، والاستثناء متصل ، والمعنى وإذا اشتد عليكم الأمر في البحر بالإشراف على الغرق نسيتم كل إله تدعونه وتسألونه حوائجكم إلا اللّه .
والظاهر أن المراد بالضلال معناه المعروف وهو خلاف الهدى والكلام مبني على تمثيل لطيف كأن الإنسان إذا مسه الضر في البحر ووقع في قلبه أن يدعو لكشف ضره قصده آلهته الذين كان يدعوهم ويستمر في دعائهم قبل ذلك وأخذوا يسعون نحوه ويتسابقون في قطع