أنواع العذاب الشديد ، وقد قضى اللّه على القرى ان تهلك أو تعذب عذابا شديدا وهذا هو الذي منعنا ان نرسل بالآيات التي يقترحونها فإن السابقين منهم اقترحوها فأرسلناها إليهم فكذبوا بها فأهلكناهم ، وهؤلاء اللاحقون في خلق سابقيهم فلو أرسلنا بالآيات حسب اقتراحهم لكذبوا بها فحل الهلاك بهم لا محالة كما حل بسابقيهم ، وما يريد اللّه سبحانه ان يعاجلهم بالعقوبة .
وقوله :
إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
التعبير عن الأمم الهالكة بالأولين المضايف للآخرين فيه ايماء إلى أن هؤلاء آخر أولئك الأولين فهم في الحقيقة أمة واحدة لآخرها من الخلق والغريزة ما لأولها ، ولذيلها من الحكم ما لصدرها ولذلك كانوا يقولون
ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ
( المؤمنون / 24 ) ويكررون ذكر هذه الكلمة .
وكيف كان فمعنى الآية انا لم نرسل الآيات التي يقترحونها - والمقترحون هم قريش - لأنا لو ارسلناها لم يؤمنوا وكذبوا بها فيستحقوا عذاب الاستئصال كما انا ارسلناها إلى الأولين بعد اقتراحهم إياها فكذبوا بها فأهلكناهم لكنا قضينا على هذه الأمة أن لا نعذبهم الا بعد مهلة ونظرة كما يظهر من مواضع من كلامه تعالى .
وقوله :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها
ثمود هم قوم صالح ولقد آتاهم الناقة آية ، والمبصرة الظاهرة البينة على حد ما في قوله تعالى :
وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
( الإسراء / 12 ) ، وهي صفة الناقة أو صفة لمحذوف والتقدير آية مبصرة والمعنى وآتينا قوم ثمود الناقة حالكونها ظاهرة بينة أو حالكونها آية ظاهرة بينة فظلموا أنفسهم بسببها أو ظلموا مكذبين بها .
وقوله :
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
اي ان الحكمة في الإرسال بالآيات التخويف والإنذار فإن كانت من الآيات التي تستتبع عذاب الاستئصال ففيها تخويف بالهلاك في الدنيا وعذاب في الآخرة ، وإن كانت من غيرها ففيها تخويف وإنذار بعقوبة العقبى .