يمكن أن يفارقه الإنسان أو يفارقه هو الإنسان بخلاف الأطراف كاليد والرجل ، وهو العضو الذي يوصل الرأس بالصدر فيشاهد ما يعلق عليه من قلادة أو طوق أو غل أول ما يواجه الإنسان .
فالمراد بقوله :
« وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ »
أن الذي يستعقب لكل إنسان سعادته أو شقاءه هو معه لا يفارقه بقضاء من اللّه سبحانه فهو الذي ألزمه إياه ، وهذا هو العمل الذي يعمله الإنسان لقوله تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
( النجم / 41 ) .
فالطائر الذي ألزمه اللّه الإنسان في عنقه هو عمله ، ومعنى إلزامه إياه أن اللّه قضى أن يقوم كل عمل بعامله ويعود اليه خيره وشره ونفعه وضره من غير أن يفارقه إلى غيره ، وقد استفيد من قوله تعالى :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ . . .
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
الآيات ( الحجر / 45 ) أن من القضاء المحتوم أن حسن العاقبة للايمان والتقوى وسوء العاقبة للكفر والمعصية .
ولازم ذلك أن يكون مع كل إنسان من عمله ما يعين له حاله في عاقبة أمره معية لازمة لا يتركه وتعيينا قطعيا لا يخطئ ولا يغلط لما قضي به أن كل عمل فهو لصاحبه ليس له إلّا هو وأن مصير الطاعة إلى الجنة ومصير المعصية إلى النار .
وبما تقدم يظهر أن الآية إنما تثبت لزوم السعادة والشقاء للانسان من جهة أعماله الحسنة والسيئة المكتسبة من طريق الاختيار من دون أن يبطل تأثير العمل في السعادة والشقاء بإثبات قضاء أزلي يحتم للانسان سعادة أو شقاء سواء عمل أم لم يعمل وسواء أطاع أم عصى كما توهمه بعضهم .
قوله تعالى :
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً
يوضح حال هذا الكتاب قوله بعده :
« اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً »
حيث يدل أولا على أن