تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 693

مساهمون:

ص٦٩٣
الماضي الظاهر في أنه كانت السنة الإلهية في الأمم الخالية الهالكة جارية على أن لا يعذبهم إلا بعد أن يبعث إليهم رسولا ينذرهم بعذاب اللّه . قوله تعالى :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
قال الراغب : الترفة التوسع في النعمة يقال : أترف فلان فهو مترف - إلى أن قال في قوله : أمرنا مترفيها - هم الموصوفون بقوله سبحانه :
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ
انتهى . وقال في المجمع : الترفة النعمة ، قال ابن عرفة : المترف المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع منه ، وقال : التدمير الإهلاك والدمار الهلاك . انتهى . وقوله :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً
أي إذا دنا وقت هلاكهم من قبيل قولهم : إذا أراد العليل أن يموت كان كذا ، وإذا أرادت السماء أنى مطر كان كذا ، أي إذا دنا وقت موته وإذا دنا وقت إمطارها فإن من المعلوم أنه لا يريد الموت بحقيقة معنى الإرادة وأنها لا تريد الإمطار كذلك ، وفي القرآن :
فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
الآية . ويمكن أن يراد به الإرادة الفعلية وحقيقتها توافق الأسباب المقتضية للشيء وتعاضدها على وقوعه ، وهو قريب من المعنى الأول وحقيقته تحقق ما لهلاكهم من الأسباب وهو كفران النعمة والطغيان بالمعصية كما قال سبحانه :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
( إبراهيم / 7 ) ، وقال :
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( الفجر / 14 ) . وقوله :
أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها
من المعلوم من كلامه تعالى أنه لا يأمر بالمعصية أمرا تشريعيا فهو القائل :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
( الأعراف / 28 ) وأما الأمر التكويني فعدم تعلقه بالمعصية من حيث إنها معصية أوضح لجعله الفعل ضروريا يبطل معه تعلقه باختيار الإنسان ولا معصية مع عدم الاختيار قال تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 693 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي