تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 641

مساهمون:

ص٦٤١
سبيل المنازعة والمغالبة . والتأمل في هذه المعاني يعطي أن المراد بالحكمة - واللّه أعلم - الحجة التي تنتج الحق الذي لا مرية فيه ولا وهن ولا إبهام والموعظة هو البيان الذي تلين به النفس ويرق له القلب ، لما فيه من صلاح حال السامع من الغبر والعبر وجميل الثناء ومحمود الأثر ونحو ذلك . والجدال هو الحجة التي تستعمل لفتل الخصم عما يصرّ عليه وينازع فيه من غير أن يريد به ظهور الحق بالمؤاخذة عليه من طريق ما يتسلمه هو والناس أو يتسلمه هو وحده في قوله أو حجته . فينطبق ما ذكره تعالى من الحكمة والموعظة والجدال بالترتيب على ما اصطلحوا عليه في فن الميزان بالبرهان والخطابة والجدل . غير أنه سبحانه قيّد الموعظة بالحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، ففيه دلالة على أن من الموعظة ما ليست بحسنة ومن الجدال ما هو أحسن وما ليس بأحسن ولا حسن ، واللّه تعالى يأمر من الموعظة بالموعظة الحسنة ومن الجدال بأحسنه . ثم إن في قوله :
« بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »
أخذا بالترتيب من حيث الأفراد فالحكمة مأذون فيها بجميع أفرادها ، والموعظة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة والمأذون فيها منهما هي الموعظة الحسنة ، والمجادلة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة ثم الحسنة إلى التي هي أحسن وغيرها والمأذون فيها منها التي هي أحسن ، والآية ساكتة عن توزيع هذه الطرق بحسب المدعوّين بالدعوة فالملاك في استعمالها من حيث المورد حسن الأثر وحصول المطلوب وهو ظهور الحق . قوله تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
قال في المفردات : العقوبة والعقاب والمعاقبة تختص بالعذاب ، انتهى . والأصل في معناه العقب وهو مؤخر الرّجل وعقيب الشيء وعاقبة الأمر ما يليه من ورائه أو آخره ،