المراد بقوله :
« ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ »
- كما قيل - ما قصّه تعالى على نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم في سورة الأنعام - وقد نزلت قبل سورة النحل بلا إشكال - بقوله :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
إلى آخر الآية ؛ ( الأنعام / 146 ) .
والآية في مقام دفع الدخل وفيها عطف على مسألة النسخ المذكورة سابقا كأن قائلا يقول :
فإذا كانت محرّمات الأكل منحصرة في الأربع المذكورة : الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به ، وكان ما وراءها حلالا فما هذه الأشياء المحرّمة على بني إسرائيل من قبل ؟ هل هذا إلّا ظلم بهم ؟
فأجاب عنه بأنا حرّمنا عليهم ذلك وما ظلمناهم في تحريمه ولكنهم كانوا يظلمون أنفسهم فنحرّم عليهم بعض الأشياء أي إنه كان محللا لهم مأذونا فيه لكنهم ظلموا أنفسهم وعصوا ربهم فجزيناهم بتحريمه عقوبة كما قال سبحانه في موضع آخر :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
الآية ؛ ولو أنهم بعد ذلك كله رجعوا إلى ربهم وتابوا عن معاصيهم تاب اللّه عليهم ورفع الحظر عنهم وأذن لهم فيما منعم عنه إنه لغفور رحيم .
قوله تعالى :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
الجهالة والجهل واحد وهو في الأصل ما يقابل العلم لكن الجهالة كثيرا ما تستعمل بمعنى عدم الانكشاف التام للواقع وإن لم يخل المحلّ عن علم ما مصحح للتكليف كحال ما يقترف المحرمات وهو يعلم بحرمتها لكن الأهواء النفسانية تغلبه وتحمله على المعصية ولا تدعه يتفكر في حقيقة هذه المخالفة والمعصية فله علم بما ارتكب ولذلك يؤاخذ ويعاقب على ما فعل وهو مع ذلك جاهل بحقيقة الأمر ولو تبصّر تمام التبصر لم يرتكب .
والمراد بالجهالة في الآية هذا المعنى إذ لو كان المراد هو الأول وكان ما ذكر من عمل السوء مجهولا من حيث حكمه أو من حيث موضوعه لم يكن العمل معصية حتى يحتاج إلى التوبة