قوله تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ
الخ ؛ قال في المجمع : الجو الهواء البعيد من الأرض . انتهى . يقول : ألم ينظروا إلى الطير حال كونها مسخرات للّه سبحانه في جو السماء والهواء البعيد من الأرض ، ثم استأنف فقال مشيرا إلى ما هو نتيجة هذا النظر :
« ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ »
.
وإثبات الإمساك للّه سبحانه ونفيه عن غيره مع وجود أسباب طبيعية هناك مؤثرة في ذلك وكلامه تعالى يصدّق ناموس العلّية والمعلولية إنما هو من جهة أن توقف الطير في الجو من دون أن تسقط كيفما كان وإلى أي سبب استند هو وسببه والرابطة التي بينهما جميعا مستندة إلى صنعه تعالى فهو الذي يفيض الوجود عليه وعلى سببه وعلى الرابطة التي بينهما فهو السبب المفيض لوجوده حقيقة وإن كان سببه الطبيعي القريب معه يتوقف هو عليه .
ومعنى توقفه في وجوده على سببه ليس أن سببه يفيد وجوده بعد ما استفاد وجود نفسه منه تعالى بل إن هذا المسبب يتوقف في أخذه الوجود منه تعالى إلى أخذ سببه الوجود منه تعالى قبل ذلك ، وقد تقدم بعض الكلام في توضيح ذلك من قريب .
وهذا معنى توحيد القرآن ، والدليل عليه من جهة لفظه أمثال قوله :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
( الأعراف / 54 ) ، وقوله :
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
( البقرة / 165 ) ، وقوله :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
( الزمر / 62 ) ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( النحل / 77 ) .
والدليل على ما قدمناه في معنى النفي والإثبات في الآية قوله تعالى :
« مُسَخَّراتٍ »
فإن التسخير إنما يتحقق بقهر أحد السببين الآخر في فعله على ما يريده السبب القاهر ففي لفظه دلالة على أن للمقهور نوعا من السببية .
وليس طيران الطائر في جو السماء بالحقيقة بأعجب من سكون الإنسان في الأرض فالجميع ينتهي إلى صنعه تعالى على حد سواء لكن ألفة الإنسان لبعض الأمور وكثرة عهده به توجب خمود قريحة البحث عنه فإذا صادف ما يخالف ما ألفه وكثر عهده به كالمستثنى من