تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
فقد استعظم سبحانه أمرها بما يهون عنده كل أمر خطير ووصفها بأوصاف لا يعادلها فيها غيرها ، قال تعالى :
ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( الأعراف / 187 ) . وتشبيه أمرها بلمح البصر إنما هو من جهة أن اللمحة وهي مدّ البصر وإرساله للرؤية أخف الأعمال عند الإنسان وأقصرها زمانا فهو تشبيه بحسب فهم السامع ولذلك عقّبه بقوله :
« أَوْ هُوَ أَقْرَبُ »
فإن مثل هذا السياق يفهم منه الإضراب فكأنه تعالى يقول : إن أمرها في خفة المؤنة والهوان والسهولة بالنسبة الينا يشبه لمح أحدكم ببصره ، وإنما أشبّهه به رعاية لحالكم وتقريبا إلى فهمكم وإلّا فالأمر أقرب من ذلك ، كما قال فيها :
وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ
( الأنعام / 73 ) ، فأمر الساعة بالنسبة إلى قدرته ومشيّته تعالى كأمر أيسر الخلق وأهونه . وعلّل تعالى ذلك بقوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فقدرته على كل شيء توجب أن تكون الأشياء بالنسبة اليه سواء . وإياك أن تتوهم أن عموم القدرة لا يستوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء من حيث النسبة ، فقلة الأسباب المتوسطة بين الفاعل وفعله والشرائط والموانع وكثرتها لهما تأثير في ذلك لا محالة ، فالإنسان مثلا قادر على التنفس وحمل ما يطيقه من الأثقال وليسا سواء بالنسبة اليه وعلى هذا القياس .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 78 إلى 89 ]

وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 79 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ