الإفراط والتفريط فإن الأمر بالعدل إذا جرى على حقيقته كان لازمه أن يتمكن الصلاح من نفس الانسان ثم ينبسط على أعماله فيلتزم الاعتدال في الأمور ثم يحب انبساطه على أعمال غيره من الناس فيأمرهم بالعدل وهو - كما عرفت - مطلق التجنب عن الإفراط والتفريط أي العمل الصالح أعم من العدل في الرعية .
ثم وصفه بقوله :
وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
وهو السبيل الواضح الذي يهدي سالكيه إلى غايتهم من غير عوج ، والانسان الذي هو في مسير حياته على صراط مستقيم يجري في أعماله على الفطرة الانسانية من غير أن يناقض بعض أعماله بعضا أو يتخلف عن شيء مما يراه حقا ، وبالجملة لا تخلف ولا اختلاف في أعماله .
قوله تعالى :
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الغيب يقابل الشهادة في إطلاقات القرآن الكريم وقد تكرر فيه
« عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ » *
وقد تقدم مرارا أنهما أمران إضافيان فالأمر الواحد غيب وغائب بالنسبة إلى شيء وشهادة ومشهود بالنسبة إلى آخر .
وإذ كان من الأشياء ما هو ذو وجوه يظهر ببعض منها لغيره ويخفي ببعض أعني أنه متضمن غيبا وشهادة كانت إضافة الغيب والشهادة إلى الشيء تارة بمعنى اللام فيكون مثلا غيب السماوات والأرض ما هو غائب عنهما خارج من حدودهما ، ويلحق بهذا الباب الإضافة لنوع من الاختصاص ، كما في قوله :
فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً
( الجن / 26 ) .
وتارة بمعنى « من » أو ما يقرب منه فيكون المراد بغيب السماوات والأرض الغيب الذي يشتملان عليه نوعا من الاشتمال قبال ما يشتملان عليه من الشهادة وبعبارة أخرى ما يغيب عن الأفهام من أمرهما قبال ما يظهر منهما .
والساعة هي من غيب السماوات والأرض بهذا المعنى الثاني .
فقوله :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
أي بالنسبة اليه وإلّا