تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
ما ذكر من الأنعام أخذ الكثير شيئا واحدا . وقوله :
مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ
الفرث في الكرش وألبان الأنعام مكانها مؤخر البطن بين الرجلين ، والدم مجراها الشرايين والأوردة وهي محيطة بهما جميعا فأخذ اللبن شيئا هو بين الفرث والدم كأنه باعتبار مجاورته لكل منهما واجتماع الجميع في داخل الحيوان وهذا كما يقال : اخترت زيدا من بين القوم ودعوته وأخرجته من بينهم إذا اجتمع معهم في مكان واحد وجاورهم فيه وإن كان جالسا في حاشية القوم لا وسطهم ، والمراد بذلك أني ميّزته من بينهم وقد كان غير متميز . والمعنى : نسقيكم مما في بطونه لبنا خارجا من بين فرث ودم خالصا غير مختلط ولا مشوب بهما ولا مستصحب لشيء من طمعهما ورائحتهما سائغا للشاربين فذلك عبرة لمن اعتبر وذريعة إلى العلم بكمال القدرة ونفوذ الإرادة ، وأن الذي خلّص اللبن من بين فرث ودم لقادر على أن يبعث الإنسان ويحييه بعد ما صار عظاما رميما وضلّت في الأرض أجزاؤه . قوله تعالى :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
إلى آخر الآية ؛ قال في المفردات : السكر - بضم السين - حالة تعرض بين المرء وعقله - إلى أن قال - والسكر - بفتحتين - ما يكون منه السكر ، قال تعالى :
« تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً »
انتهى . وقال في المجمع : السكر في اللغة على أربعة أوجه : الأول ما أسكر من الشراب ، والثاني ما طعم من الطعام ، قال الشاعر : « جعلت عيب الأكرمين سكرا » أي جعلت ذمّهم طعما لك ، والثالث السكون ومنه ليلة ساكرة أي ساكنة ، قال الشاعر : « وليست بطلق ولا ساكرة » ويقال : سكرت الريح سكنت ، قال : « وجعلت عين الحرور تسكر » ، والرابع المصدر من قولك : سكر سكرا ومنه التسكير التحيير في قوله :
« سُكِّرَتْ أَبْصارُنا »
انتهى . والظاهر أن الأصل في معناه هو زوال العقل باستعمال ما يوجب ذلك ، وسائر ما ذكره من المعاني مأخوذة
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 589 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي