فمجموع ما تتضمنه الآيات من حديث الخلق والنعمة والعلم مقدمات لحجة واحدة أقيمت على توحيد الربوبية الذي ينكره الوثنية كما عرفت .
فقوله :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
قياس ما له سبحانه من النعت إلى ما لغيره منه ونفي للمساواة ، والاستفهام للإنكار ، والمراد بمن لا يخلق آلهتهم الذين يدعونهم من دون اللّه .
وبيانه - كما ظهر مما تقدم - أن اللّه سبحانه يخلق الأشياء ويستمر في خلقها فلا يستوي هو ومن لا يخلق شيئا فإنه تعالى لخلقه الأشياء يملك وجوداتها وآثار وجوداتها التي هي الأنظمة الخاصة بها والنظام العام الجاري عليها .
وقوله :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
الخ ؛ إشارة إلى كثرة النعم الإلهية كثرة خارجة عن حيطة الإحصاء ، وبالحقيقة ما من شيء إلّا وهو نعمة إذا قيس إلى النظام الكلي وإن كان ربما وجد بينها ما ليس بنعمة إذا قيس إلى بعض آخر .
وقد علل سبحانه ذلك بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
وهو من ألطف التعليل وأود فأفاد سبحانه أن خروج النعمة عن حد الاحصاء إنما هو من بركات اتصافه تعالى بصفتي المغفرة والرحمة فإنه بمغفرته - والمغفرة هي الستر - يستر ما في الأشياء من وبال النقص وشوهة القصور ، وبرحمته - والرحمة إتمام النقص ورفع الحاجة - يظهر فيها الخير والكمال ويحلّيها بالجمال فببسط المغفرة والرحمة على الأشياء يكون كل شيء نافعا في غيره خيرا مطلوبا عنده فيصير نعمة بالنسبة اليه فالأشياء بعضها نعمة لبعض فللنعمة الإلهية من السعة والعرض ما لمغفرته ورحمته من ذلك : فإن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها ، فافهم ذلك .
والآية من الموارد التي استعملت فيها المغفرة في غير الذنب والمعصية للأمر المولوي كما هو المعروف عند المتشرعة .