تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
بجميع خواصه وآثاره كما يشير اليه قوله تعالى :
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ
( الرعد / 17 ) ، وقد تقدم تفصيل القول في ذلك فما يظهر فيه شيء من الحق إلا وهو يحتمل شيئا من اللبس والشك كما يصدقه استقراء الموارد التي صادفناها مدى أعمارنا ، ومن الشاهد عليه قوله تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
( الأنعام / 9 ) ، والظرف ظرف الامتحان والاختيار ولا اختيار إلا مع إمكان التباس الحق بالباطل واختلاط الخير والشر بنحو حتى يقف الإنسان على ملتقى الطريقين ومنشعب النجدين فيستدلّ على الخير والشر بآثارهما وأماراتهما ثم يختار ما يستحقه من السعادة والشقاوة . قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
صدر الآية مسوق سوق الحصر ، وظاهر السياق أن الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردهم القرآن بأنه من أهذار الجنون وأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم مجنون لا عبرة بما صنع ولا حجر ومن اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدقوه في دعوته وأن القرآن كتاب سماوي حق . والمعنى - على هذا واللّه أعلم - أن هذا الذكر لم تأت به أنت من عندك حتى يعجزوك ويبطلوه بعنادهم وشدة بطشهم وتتكلف لحفظه ثم لا تقدر ، وليس نازلا من عند الملائكة حتى يفتقر إلى نزولهم وتصديقهم إياه بل نحن أنزلنا هذا الذكر إنزالا تدريجيا وإنا له لحافظون بما له من صفة الذكر بما لنا من العناية الكاملة به . فهو ذكر حي خالد مصون من أن يموت وينسى من أصله ، مصون من الزيادة عليه بما يبطل به كونه ذكرا ، مصون من النقص كذلك ، مصون من التغيير في صورته وسياقه بحيث يتغير به صفة كونه ذكرا للّه مبيّنا لحقائق معارفه . فالآية تدل على كون كتاب اللّه محفوظا من التحريف بجميع أقسامه من جهة كونه ذكرا للّه
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 479 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي