والمعنى هذه الآيات العالية منزلة الرفيعة درجة التي نتنزلها إليك آيات الكتاب الإلهي وآيات قرآن عظيم الشأن فاصل بين الحق والباطل على خلاف ما يرميها به الكفار بما يرمونك بالجنّة مستهزءين بكلام اللّه .
ومن الممكن أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ فان القرآن منه وفيه ، قال تعالى :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
( الواقعة / 78 ) ، وقال :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
( البروج / 22 ) فيكون قوله :
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ
كالملخص من قوله :
وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
( الزخرف / 4 ) .
قوله تعالى :
رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ
توطئة لما سيتعرض له من قولهم للنبي :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
يشير به إلى أنهم سيندمون على ما هم عليه من الكفر ويتمنون الإسلام للّه والإيمان بكتابه يوم لا سبيل لهم إلى تحصيل ذلك .
فقوله :
رُبَما يَوَدُّ
المراد به ودادة التمني لا مطلق الودادة والحب ، والدليل على ذلك قوله في بيان هذا المودّة :
لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ
فإن لفظي
« لَوْ »
و
« كانُوا »
تدلان على أن ودادتهم ودادة تمنّ وأنهم يتمنون الاسلام بالنسبة إلى ماضي حالهم مما فاتهم ولن يعود إليهم فليس إلا الاسلام ما داموا في الدنيا .
فالآية تدلّ على أن الذين كفروا سيندمون على كفرهم ويتمنون أن لو كانوا مسلمين بعد انطواء بساط الحياة الدنيا .
قوله تعالى :
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
الإلهاء الصرف والاشتغال يقال : ألهاه كذا عن كذا أي شغله عنه وأنساه ذكره .
وقوله :
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ
أمر برفع اليد عنهم وتركهم وما هم فيه من الباطل ، وهو كناية عن النهي عن الجدال معهم والاحتجاج عليهم لإثبات