تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
هذه الحقيقة وهي أنهم سوف يودّون الاسلام ويتمنونه ولا سبيل لهم إلى تحصيله وتدارك ما فات منه ، وقوله :
« فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »
في موضع التعليل للأمر أي ذرهم ولا تجادلهم ولا تحاجّهم فلا حاجة إلى ذلك لأنهم سوف يعلمون ذلك فإن الحق ظاهر لا محالة . وفي الآية تعريض لهم أنهم لا غاية لهم في حياتهم إلا الأكل والتمتع بلذات المادة والتلهّي بالآمال والأماني فلا منطق لهم إلا منطق الأنعام والحيوان العجم فمن الحريّ أن يتركوا وما هم فيه ، ولا يلقى إليهم الحجج الحقة المبنية على أساس العقل السليم والمنطق الإنساني . قوله تعالى :
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ
إلى آخر الآيتين ؛ تثبيت وتوكيد لقوله في الآية السابقة :
« فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »
على ما يعطيه السياق والمعنى دعهم فإنهم لا يسلمون في هذه الحياة الدنيا وإنما يودّون الإسلام بعد حلول أجلهم ونزول الهلاك بهم ، والناس ليسوا بذوي خيرة في ذلك بل لكل أمة كتاب معلوم عند اللّه مكتوب فيه أجلهم لا يقدرون أن يستقدموه ولا يستأخروه ساعة . وفي الآيتين دلالة على أن الأمة من الإنسان لها كتاب كما أن للفرد منه كتابا ، قال تعالى :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً
( الإسراء / 13 ) . قوله تعالى :
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
كلام خارج مخرج الاستهزاء ، ولذلك خاطبوه صلّى اللّه عليه وآله وسلم لا باسمه بل بوصف نزول الذكر عليه كما كان يدّعيه ، وجاءوا بالفعل المجهول للدلالة على أن منزله غير معلوم عندهم ولا اعتماد ولا وثوق لهم بما يدّعيه هو أن اللّه تعالى هو الذي أنزله ، وتوصيفه بالذي نزّل عليه الذكر وكذا تسمية النازل عليه ذكرا كل ذلك من الاستهزاء كما أن قولهم :
« إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ »
رمي وتكذيب . قوله تعالى :
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
لو ما مثل هلّا