للتحضيض أي هلّا تأتينا بالملائكة إن كنت صادقا في دعوى النبوّة ليشهدوا على صدق دعواك وينذروا معك ، فهو قريب المعنى من قولهم على ما حكاه اللّه :
لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً
( الفرقان / 7 ) .
ووجه اقتراحهم على الأنبياء أن يأتوا بالملائكة ويظهروهم لهم اعتقادهم أن البشرية كينونة مادية مغمورة في قذارة الشهوة والغضب لا نسبة بينها وبين العالم السماوي الذي هو محض النورانية والطهارة فمن ادّعى نوعا من الاتصال بذاك العالم الروحاني فعليه أن يأتي ببعض أهله من الملائكة الكرام ليصدّقوه في دعواه ويعينوه في دعوته .
على أن الملائكة عند الوثنيين آلهة دون اللّه سبحانه فدعوتهم إلى التوحيد معناه أن هؤلاء الآلهة في معزل من الشفاعة والعبادة بأمر من اللّه سبحانه وهو إله الآلهة ولا دليل على ذلك كاعترافهم به فلينزلوا وليعترفوا ويصدّقوا ، النبوة .
قوله تعالى :
ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ
جواب عما اقترحوا على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن يأتيهم بالملائكة حتى يصدقوه ومحصّل الجواب أن السنة الإلهية جارية على ستر ملائكته عنهم تحت أستار الغيب فلو أنزلهم وأظهرهم لهم عن اقتراحهم ذلك كان ذلك آية سماوية خارقة للعادة نازلة عن اقتراحهم ، ومن شأن الآية المعجزة النازلة عن اقتراح الناس ان يعقبها عذاب الاستئصال والهلاك القطعي إن لم يؤمنوا بها ، وهؤلاء الكفار المعاندون ليسوا بمؤمنين فهو الهلاك .
وبالجملة لو أنزل اللّه الملائكة والحال هذا الحال - هم يقترحون آية فاصلة تظهر الحق وتميط الباطل - لأنزلهم بالحق الفاصل المميز وما كانوا إذا منظرين بل يهلكون ويقطع دابرهم ، هذا محصّل ما ذكره بعضهم .
ويمكن أن يقرّر معنى الآية باستمداد من التدبّر في آيات أخر أن ظرف الحياة المادية أعني هذه النشأة الدنيوية ظرف يختلط فيه الحق والباطل من غير أن يتمحّض الحق في الظهور