تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
لُوطٍ » *
. وأما من أرسل إلى أزيد من أمّة وهم أولو العزم من الرسل فمن الدليل على أنهم كانوا يدعون أقواما من غير أهل لسانهم ما حكاه اللّه من دعوة إبراهيم عليه السّلام عرب الحجاز إلى الحجّ ، ودعوة موسى عليه السّلام فرعون وقومه إلى الإيمان وعموم دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وقد اشتمل القرآن على دعوة اليهود والنصارى وغيرهم وقبول إيمان من آمن منهم بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم وكذا ما يستفاد من عموم دعوة نوح عليه السّلام . وعلى هذا فالمراد بقوله :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ »
- واللّه أعلم - أن اللّه لم يبين إرسال الرسل والدعوة الدينية على أساس معجز خارق للعادة الجارية ولا فوّض إلى رسله من الأمر شيئا بل أرسلهم باللسان العادي الذي كانوا يكالمون قومهم ويحاورونهم به ليبيّنوا لهم مقاصد الوحي فليس لهم إلا البيان ، وأما ما وراء ذلك من الهداية والإضلال فإلى اللّه سبحانه لا يشاركه في ذلك رسول ولا غيره . فتعود الآية كالبيان والإيضاح لقوله تعالى قبل :
« كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ »
وأنّ معنى إخراجك الناس من الظلمات إلى النور أن تبين لهم ما أنزل اللّه لا أزيد من ذلك فيكون في معنى قوله :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
( النحل / 44 ) . وأما قوله :
فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
فإشارة إلى ما أومأنا اليه أن أمر الهدى والضلال إلى اللّه لا يتحقق شيء منهما إلا عن مشيّة منه تعالى غير أنه سبحانه أخبرنا أنّ هذه المشيّة منه ليست جزافية غير منتظمة بل لها نظم ثابت فمن اتّبع الحق ولم يعانده هداه اللّه ، ومن جاحده واتّبع هواه أضله اللّه فهو إضلال مجازاة غير الإضلال الابتدائي المذموم . وقد قدم سبحانه الإضلال على الهداية إذ قال :
« فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
لأن ذلك أحوج إلى البيان بالنظر إلى أن الكلام مبني على عزته المطلقة فكان من الواجب أن