تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
الحميد ، والمراد بما في السماوات والأرض كل ما في الكون فيشمل نفس السماوات والأرض كما يشمل ما فيهما ، فهو تعالى يملك كل شيء من كل جهة بحقيقة معنى الملك . وفيه إشارة إلى الحجة في كونه تعالى عزيزا حميدا ، فإنه تعالى وإن كان هو الذي يحق الحق بكلماته وهو الذي ينجح كل حجة في دلالتها ، لكنه جاري عباده في كلامه على ما فطرهم عليه ، وذلك أنه تعالى لما ملك كل خلق وأمر بحقيقة معنى الملك فهو المالك لكل قهر وغلبة فلا قهر إلا منه ولا غلبة إلا له ، فهو تعالى عزيز وله أن يتصرف في ما يشاء بما يشاء ولا يكون تصرّفه إلا محمودا غير مذموم لأن التصرف إنما يكون مذموما إذا كان المتصرف لا يملكه إما عقلا أو شرعا أو عرفا ، وأي تصرف نسبه اليه تعالى عقل أو شرع أو عرف فإنه يملكه ، فهو تعالى حميد محمود الأفعال . قوله تعالى :
وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ
بيان لما تقتضيه صفة العزة من القهر لمن يردّ دعوته ويكفر بنعمته . قوله تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً
الخ ؛ قال الراغب في المفردات : وقوله عزّ وجل :
« إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ »
أي إن آثروه عليه ، وحقيقة الاستحباب أن يتحرّى الإنسان في الشيء أن يحبه ، واقتضى تعديته بعلى معنى الإيثار ، وعلى هذا قوله تعالى :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
، انتهى . ومعنى استحباب الدنيا على الآخرة اختيار الدنيا وترك الآخرة رأسا ، ويقابله اختيار الآخرة على الدنيا بمعنى أخذ الآخرة غاية للسعي وجعل الدنيا مقدّمة لها يتوسل بها إليها ، وأما اختيار الآخرة وترك الدنيا من أصلها فإنه مضاف إلى عدم إمكانه بحقيقة معنى الكلمة يوجب اختلال أمر الآخرة ، وينجرّ إلى تركها بالآخرة ، فالحياة الدنيا حياة منقطعة والحياة الآخرة حياة دائمة يتوسل إلى سعادتها من طريق الدنيا بالاكتساب ، فمن اختار الآخرة وأثبتها