يبين أن ضلال من يضلّ عن السبيل كهدى من اهتدى إليها إنما هو بمشية منه تعالى ولم يغلب في إرادته ولم يزاحم في ملكه حتى لا يخيّل إلى كل مغفل من الناس أن اللّه يصف نفسه بالعزة المطلقة وأنه غالب غير مغلوب وقاهر غير مقهور ثم يدعو الناس فلا يستجيبون دعوته ويأمرهم وينهاهم فيعصون ولا يطيعون وهل هذا الا غلبة منهم وقهر وهو مغلوب مقهور ؟
فكأنه تعالى أجاب عن ذلك بأن معنى دعوته أن يرسل رسولا بلسان قومه فيبين لهم ما يسعدهم مما يشقيهم ، وأمّا ضلال من ضلّ من الناس كهدى من اهتدى منهم فبمشيّة من اللّه وإذنه ، وحاشاه أن يقهر في سلطانه أو يتصرّف في ملكه أحد بغير إذنه .
فضلال من ضلّ منهم دليل عزته فضلا أن يكون ناقضا لها كما أن هدى من اهتدى كذلك ، ولذلك ذيّل الكلام بقوله :
« وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
فهو سبحانه عزيز لا يغلبه ولا يضرّه ضلال من ضل منهم ، ولا ينفعه هدى من اهتدى حكيم لا يشاء من شاء جزافا وعبثا بل عن نظام متقن دائمي .
قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
إلى آخر الآية ؛ إذ كان الكلام في السورة مبنيا على الإنذار والتذكير بعزة اللّه سبحانه ناسب أن يذكر إرسال موسى بالآيات لهداية قومه فإن قصة رسالته من أوضح مصاديق ظهور العزة الإلهية من بين الرسل ، وقد قال تعالى فيه :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ
( المؤمن / 23 ) ، وقال حاكيا عنه عليه السّلام :
وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
( الدخان / 19 ) .
فوزان الآية أعني قوله :
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ »
، من قوله :
« كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ »
وزان التنظير بداعي التأييد وتطييب النفس كما في قوله :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
( النساء / 163 ) .