تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
وأما ما اعترض عليه بعضهم أن التربية الإلهية بإخراج الناس من الظلمات إلى النور وإيصالهم إلى السعادة والكمال مشروطة بالتهيؤ والاستعداد مع كون الفيض عاما فالمقدار الممكن من هذه العاقبة على تقدير عمومه هو هذا المقدار . ففيه أنه اعتراف بأن كون اللام للعاقبة خلاف ظاهر الآية ، فإن الذي ذكره لا يتمّ إلا بتقييد
« النَّاسَ »
بالمستعدّين ، لكن الذي يجب أن يعلم أن هذا الغرض غرض تشريعي معناه أن للحكم غاية مقصودة وهي المصلحة التي يستعقبها ، فإن اللّه سبحانه يدعو الناس ليغفر لهم ويهديهم إلى الإيمان والعمل الصالح ليسعدهم بذلك ويدخلهم الجنة ، ويرسل الرسل وينزّل عليهم الكتاب ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، ويريد بما يوجّهه إليهم من الأمر والنهي أن يطهّرهم ويذهب عنهم رجز الشيطان ، والآيات الدالّة على ذلك كثيرة لا موجب لإيرادها وكذا الروايات ولعلها تزهو الألوف . قوله تعالى :
إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ، اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
العزة تقابل الذلة ، قال الراغب : العزة حالة مانعة للإنسان من أن يغلب من قولهم : أرض عزاز أي صلبة ، قال تعالى :
أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
وتعزّز اللحم اشتدّ وعزّ كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه ، انتهى موضع الحاجة . فعزة العزيز هي كونه بحيث يصعب نيله والوصول إليه ومنه عزيز القوم وهو الذي يقهر ولا يقهر لأنه ذو مقام لا يصل إليه من قصده دون أن يمنع قبل الوصول إليه ويقهر ، ومنه العزيز لما قل وجوده لصعوبة نيله ، ومنه العزيز بمعنى الشاق لأن الذي يشقّ على الإنسان يصعب حصوله ، قال تعالى :
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ
( التوبة / 128 ) ، ومنه قوله :
وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ
( ص / 23 ) ، أي غلبني على ما فسر به . واللّه سبحانه عزيز لأنه الذات الذي لا يقهره شيء من جهة وهو يقهر كل شيء من كل جهة ولذلك انحصرت العزة فيه تعالى فلا توجد عند غيره إلا باكتساب منه وبإذنه قال تعالى :
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 421 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي