بذكر اللّه أكثر طيبا لخلوصها من شوائب المنغصات .
فقوله :
طُوبى لَهُمْ
في تقدير لهم حياة أو معيشة طوبى ، فطوبى مبتدأ و
« لَهُمْ »
خبره وإنما قدم المبتدأ المنكر على الظرف لأن الكلام واقع موقع التهنئة وفي مثله يقدم ما به التهنئة استعجالا بذكر ما يسر السامع ذكره نظير قولهم في البشارة : بشرى لك .
وبالجملة في الآية تهنئة الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وهم الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اللّه اطمئنانا مستمرا - بأطيب الحياة أو العيش وحسن المرجع ، وبذلك يظهر اتصالها بما قبلها فإن طيب العيش من آثار اطمئنان القلب كما تقدم .
قوله تعالى :
كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ
إلى آخر الآية ؛ متاب مصدر ميمي للتوبة وهي الرجوع ، والإشارة بقوله :
« كَذلِكَ »
إلى ما ذكره تعالى من سنته الجارية من دعوة الأمم إلى دين التوحيد ثم إضلال من يشاء وهداية من يشاء على وفق نظام الرجوع إلى اللّه والإيمان به وسكون القلب بذكره وعدم الرجوع اليه .
والمعنى : وأرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم إرسالا يماثل هذه السنة الجارية ويجري في أمره على وفق هذا النظام لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وتبلغهم ما يتضمنه هذا الكتاب وهم يكفرون ، بالرحمن وإنما قيل : بالرحمن ، دون أن يقال « بنا » على ما يقتضيه ظاهر السياق إيماء إلى أنهم في ردهم هذا الوحي الذي يتلوه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم عليهم وهو القرآن وعدم اعتنائهم بأمره حيث يقولون مع نزوله
« لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ »
يكفرون برحمة إلهية عامة تضمن لهم سعادة دنياهم وأخراهم لو أخذوه وعملوا به .
ثم أمر تعالى : أن يصرح لهم القول في التوحيد فقال
« قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ »
أي هو وحده ربي من غير شريك كما تقولون ولربوبيته لي وحده أتخذه القائم على جميع أموري وبها ، وأرجع اليه في حوائجي وبذلك يظهر أن قوله :
« عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ »
من آثار الربوبية المتفرعة عليها فإن الرب هو المالك المدبر فمحصل المعنى هو وكيلي