تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
الحصر إذ لا هم لقلب الإنسان وهو نفسه المدركة إلّا نيل سعادته والأمن من شقائه وهو في ذلك متعلق بذيل الأسباب ، وما من سبب إلّا وهو غالب في جهة ومغلوب من أخرى إلّا اللّه سبحانه فهو الغالب غير المغلوب الغني ذو الرحمة فبذكره أي به سبحانه وحده تطمئن القلوب ولا يطمئن القلب إلى شيء غيره إلّا غفلة عن حقيقة حاله ولو ذكر بها أخذته الرعدة والقلق . ومما قيل في الآية الكريمة أعني قوله :
« الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ »
الخ ؛ أنها استئناف ، وقوله :
« الَّذِينَ آمَنُوا »
مبتدأ خبره قوله في الآية التالية :
« طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ »
وقوله :
« الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
بدل من المبتدأ وقوله :
« أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ »
اعتراض بين المبتدأ وخبره ، وهو تكلف بعيد من السياق . قوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
طوبى على وزن فعلى بضم الفاء مؤنث أطيب فهي صفة لمحذوف وهو - على ما يستفاد من السياق - الحياة أو المعيشة وذلك أن النعمة كائنة ما كانت إنما تغتبط وتهنأ إذا طابت للإنسان ولا تطيب إلّا إذا اطمأن القلب اليه وسكن ولم يضطرب ولا يوجد ذلك إلّا لمن آمن باللّه وعمل عملا صالحا فهو الذي يطمئن منه القلب ويطيب له العيش فإنه في أمن من الشر والخسران وسلام مما يستقبله ويدركه وقد أوى إلى ركن لا ينهدم واستقر في ولاية اللّه لا يوجه اليه ربه إلّا ما فيه سعادته إن أعطي شيئا فهو خير له وإن منع فهو خير له . وقد قال في وصف طيب هذه الحياة :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( النحل / 97 ) وقال في صفة من لم يرزق اطمئنان القلب بذكر اللّه :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
( طه / 124 ) ، ولعل وصف الحياة أو المعيشة في الآية التي نحن فيها بزيادة الطيب تلميحا إلى أنها نعمة لا تخلو من طيب على أي حال إلّا أنها فيمن اطمأن قلبه