تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
ولعله اليه يرجع ما ذكره الراغب في الفرق بينهما أن الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم . ولذا خص العلماء بها في قوله :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
وكذا قول بعضهم : إن الخشية أشد الخوف لأنها مأخوذة من قولهم : شجرة خشية أي يابسة . وكذا قول بعضهم : إن الخوف يتعلق بالمكروه وبمنزله يقال : خفت المرض وخفت زيدا بخلاف الخشية فإنها تتعلق بالمنزل دون المكروه نفسه يقال : خشيت اللّه . ولولا رجوعها إلى ما قدمناه لكانت ظاهرة النقض وذكر بعضهم أن الفرق أغلبي لا كلي ، والآخرون أن لا فرق بينهما أصلا وهو مردود بما قدمناه من الآيات . قوله تعالى :
وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا
إلى آخر الآية ؛ إطلاق الصبر يدل على اتصافهم بجميع شعبه وأقسامه وهي الصبر عند المصيبة والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية لكنه مع ذلك مقيد بقوله :
« ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ »
أي طلبا لوجه ربهم فصفتهم التي يمدحون بها أن يكون صبرهم لوجه اللّه لأن الكلام في صفاتهم التي تنشأ وتنمو فيهم من استجابتهم لربهم وعلمهم بحقبة ما أنزل إليهم من ربهم لا كل صفة يمدحها الناس فيما بينهم وإن لم ترتبط بعبوديتهم وإيمانهم بربهم كالصبر عند الكريهة تمنعا وعجبا بالنفس أو طلبا لجميل الثناء ونحوه كما قيل :
وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي
والمراد بوجه الرب تعالى هو الجهة المنسوبة اليه تعالى من العمل ونحوه وهي الجهة التي عليها يظهر ويستقر العمل عنده تعالى أعني المثوبة التي له عنده الباقية ببقائه وقد قال تعالى :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ
( آل عمران / 195 ) ، وقال :
وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
( النحل / 96 ) ، وقال :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
( القصص / 88 ) . وقوله :
وَأَقامُوا الصَّلاةَ
أي جعلوها قائمة غير ساقطة بالإخلال بأجزائها وشرائطها أو بالاستهانة بأمرها ، وعطف الصلاة وما بعدها على الصبر من عطف الخاص على
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 385 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي