فلو جرى الكلام على السياق السابق وقيل « والذين يصبرون ابتغاء وجه ربهم ويقامون الصلاة وينفقون مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة » فاتت هذه العناية وبطل ما ذكر من حديث الأصالة والتبعية لكن قيل
« وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ »
فاخذ جميع الصبر المستقر أمرا واحدا مستمرا ليدل على وقوع كل الصبر منهم ثم قيل
« وَيَدْرَؤُنَ »
الخ ؛ ليدل على دوام مراقبتهم بالنسبة اليه لتدارك ما وقع فيه من الخلل ، وكذا في الصلاة والإنفاق فافهمه .
وهذه العناية بوجه نظيرة العناية في قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ »
الآية ؛ حيث يدل على تفرع تنزل الملائكة على تحقق قولهم :
« رَبُّنَا اللَّهُ »
واستقامتهم دون الاستمرار عليه .
وقوله :
أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ
أي عاقبتها المحمودة فإنها هي العاقبة حقيقة لأن الشيء لا ينتهي بحسب ما جبله اللّه عليه إلّا إلى عاقبة تناسبه وتكون فيها سعادته ، وأما العاقبة المذمومة السيئة ففيها بطلان عاقبة الشيء لخلل واقع فيه ، وإنما تسمى عاقبة بنحو من التوسع ، ولذلك أطلق في الآية عقبى الدار وأريدت بها العاقبة المحمودة وقوبلت فيما يقابلها من الآيات بقوله :
« وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ »
، ومن هنا يظهر أن المراد بالدار هذه الدار الدنيا أي حياة الدار فالعاقبة عاقبتها .
قوله تعالى :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
العدن الاستقرار يقال : عدن بمكان كذا إذا استقر فيه ومنه المعدن لمستقر الجواهر الأرضية وجنات عدن أي جنات نوع من الاستقرار فيه خلود وسلام من كل جهة .
وجنات عدن « الخ » ؛ بدل أو عطف بيان من قوله :
« عُقْبَى الدَّارِ »
أي عاقبة هذه الدار المحمودة هي جنات العدن والخلود فليست هذه الحياة الدنيا بحسب ما طبعها اللّه عليه إلّا حياة واحدة متصلة أولها عناء وبلاء وآخرها رخاء نعيم وسلام ، وهذا الوعد هو الذي يحكي وفاءه