في السجود فإن الظل وإن كان عدميا من حجب الجسم بكثافته عن نفوذ النور إلّا أن له أثارا خارجية وهو يزيد وينقص في طرفي النهار ويختلف اختلافا ظاهرا للحس فله نحو من الوجود ذو آثاره يخضع في وجوده وآثاره للّه ويسجد له .
وهي تسجد للّه سبحانه سجدة طوع في جميع الأحيان ، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر لا لما قيل : إن المراد بهما الدوام لأنه يذكر مثل ذلك للتأييد إذ لو أريد سجودها الدائم لكان الأنسب به أن يقال : بأطراف النهار حتى يعم جميع ما قبل الظهر وما بعده كما وقع في قوله :
وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى
( طه / 130 ) .
بل النكتة فيه - واللّه أعلم - أن الزيادة والنقيصة دائمتان للأظلال في الغداة والأصيل فيمثلان للحس السقوط على الأرض وذلة السجود ، وأما وقت الظهيرة وأوساط النهار فربما انعدمت الأظلال فيها أو نقصت وكانت كالساكنة لا يظهر معنى السجدة منها ذلك الظهور .
قوله تعالى :
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا
الآية بما تشتمل على أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالاحتجاج على المشركين بمنزلة الفذلكة من الآيات السابقة .
وذلك أن الآيات السابقة تبين بأوضح البيان أن تدبير السماوات والأرض وما فيهما من شيء إلى اللّه سبحانه كما أن خلقها منه وأنه يملك ما يفتقر اليه الخلق والتدبير من العلم والقدرة والرحمة وأن كل من دونه مخلوق مدبر لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وينتج ذلك أنه الرب دون غيره .
فأمر تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن يسجل عليهم نتيجة بيانه السابق ويسألهم بعد تلاوة الآيات السابقة عليهم الكاشفة عن وجه الحق لهم بقوله :
« مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
أي من هو الذي يملك السماوات والأرض وما فيهما ويدبر أمرها ؟ ثم أمره أن يجيب هو نفسه عن السؤال ويقول
« اللَّهُ »
لأنهم وهم مشركون معاندون يمتنعون عن الإقرار بتوحيد الربوبية وفي ذلك