سأصبر ولم يقل : واللّه أستعين على ما تصفون بل ترك نفسه وذكر اسم ربه وأن الأمر منوط بحكمه الحق وهو من كمال توحيده وهو مستغرق في وجده وأسفه وحزنه ليوسف غير أنه ما كان يحب يوسف ولا يتوله فيه ولا يجد لفقده إلّا للّه وفي اللّه .
قوله تعالى :
وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ
قال الراغب : الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره . انتهى ، وقال : دلوت الدلو إذا أرسلتها ، وأدليتها إذا أخرجتها . انتهى ، وقيل بالعكس ، وقال : الإسرار خلاف الإعلان . انتهى .
وقوله :
قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ
إيراده بالفصل مع أنه متفرع وقوعا على إدلاء الدلو للدلالة على أنه كان أمرا غير مترقب الوقوع فإن الذي يترقب وقوعه غير الإدلاء هو خروج الماء دون الحصول على غلام فكان مفاجئا لهم ولذا قال
« قالَ يا بُشْرى »
ونداء البشرى كنداء الأسف والويل ونظائرهما للدلالة على حضوره وجلاء ظهوره .
وقوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ
مفاده ذم عملهم والإنابة عن كونه معصية محفوظة عليهم سيؤاخذون بها ، ويمكن أن يكون المراد به أن ذلك إنما كان بعلم من اللّه أراد بذلك أن يبلغ يوسف مبلغه الذي قدر له فإنه لو لم يخرج من الجب ولم يسر بضاعة لم يدخل بيت العزيز بمصر فلم يؤت ما أوتيه من الملك والعزة .
والمعنى الآية : وجاءت جماعة مارة إلى هناك فأرسلوا من يطلب لهم الماء فأرسل دلوه في الجب ثم لما أخرجها فاجأهم بقوله :
« يا بُشْرى هذا غُلامٌ »
- وقد تعلق يوسف بالحبل فخرج - فأخفوه بضاعة يقصد بها البيع والتجارة والحال أن اللّه سبحانه عليم بما يعملون يؤاخذهم عليه أو أن ذلك كان بعلمه تعالى وكان يسير يوسف هذا المسير ليستقر في مستقر العزة والملك والنبوة .
قوله تعالى :
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ