وفي الآية إشعار بأن القميص وعليه دم - وقد نكر الدم للدلالة على هو ان دلالته وضعفها على ما وصفوه - كان على صفة تكشف عن كذبهم في مقالهم فإن من افترسته السباع وأكلته لم تترك له قميصا سالما غير ممزق . هذا شأن الكذب لا يخلو الحديث الكاذب ولا الأحدوثة الكاذبة من تناف بين أجزائه وتناقض بين أطرافه أو شواهد من أوضاع وأحوال خارجية تحف به وتنادي بالصدق وتكشف القناع عن قبيح سريرته وباطنه وإن حسنت صورته « 1 » .
قوله تعالى :
قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
هذا جواب يعقوب وقد فوجئ بنعي ابنه وحبيبه يوسف دخلوا عليه وليس معهم يوسف وهم يبكون يخبرونه أن يوسف قد أكله الذئب وهذا قميصه الملطخ بالدم ، وقد كان يعلم بمبلغ حسدهم له وهم قد انتزعوه من يده بإلحاح وإصرار وجاءوا بقميصه وعليه دم كذب ينادي بكذبهم فيما قالوه وأخبروا به .
فأضرب عن قولهم :
« إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ »
الخ ؛ بقوله :
« بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً »
والتسويل الوسوسة أي ليس الأمر على ما تخبرون بل وسوست لكم أنفسكم فيه أمرا ، وأبهم الأمر ولم يعنيه ثم أخبر أنه صابر في ذلك من غير أن يؤاخذهم وينتقم منهم لنفسه انتقاما وإنما يكظم ما هجم نفسه كظما .
فقوله :
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً
تكذيب لما أخبروا به من أمر يوسف وبيان أنه على علم من أن فقد يوسف لا يستند إلى ما ذكروه من افتراس السبع وإنما يستند إلى مكر مكروه وتسويل من أنفسهم لهم ، والكلام بمنزلة التوطئة لما ذكره بعد من قوله :
« فَصَبْرٌ جَمِيلٌ »
إلى آخر الآية .
هامش
( 1 ) . يوسف 7 - 21 : كلام في أن الكذب لا يفلح .