تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وقوله :
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ
الإشارة إلى ما ذكره من إخراجه من الجب وبيعه واستقراره في بيت العزيز فإن كان المراد من تمكينه في الأرض هذا المقدار من التمكين الذي حصل به من دخوله في بيت العزيز واستقراره فيه على أهنإ عيش بتوصية العزيز فالتشبيه من قبيل تشبيه الشيء بنفسه ليدل به على غزارة الأوصاف المذكورة له وليس من القسم المذموم من تشبيه الشيء بنفسه كقوله :
كأننا والماء من حولنا * قوم جلوس حولهم ماء
بل المراد أن ما فعلنا به من التمكين في الأرض كان يماثل هذا الذي وصفناه وأخبرنا عنه فهو يتضمن من الأوصاف الغزيرة ما يتضمنه ما حدثناه فهو تلطف في البيان بجعل الشيء مثل نفسه بالتشبيه دعوى ليلفت به ذهن السامع إلى غزارة أوصافه وأهميتها وتعلق النفس بها كما هو شأن التشبيه . ومن هذا الباب قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
( الشورى / 11 ) وقوله تعالى :
لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ
( الصافات / 61 ) والمراد أن كل ما اتصف من الصفات بما اتصف به اللّه سبحانه لا يشبهه ولا يماثله شيء ، وأن كل ما اشتمل من الصفات على ما اشتملت عليه الجنة وماثلها في صفاتها فليعمل العاملون لأجل الفوز به . وإن كان المراد بالتمكين مطلق تمكينه في الأرض فتشبيه بما ذكر من الوصف من قبيل تشبيه الكلي ببعض أفراده ليدل به على أن سائر الأفراد حالها حال هذا الفرد أو تشبيه الكل ببعض اجزائه للدلالة على أن الأجزاء الباقية حالها حال ذاك الجزء المذكور فيكون المعنى كان تمكيننا ليوسف في الأرض يجري على هذا النمط المذكور في قصة خروجه من الجب ودخوله مصر واستقراره في بيت العزيز على أحسن حال فإن إخوته حسدوه وحرموا عليه القرار على وجه الأرض عند أبيه فألقوه في غيابة الجب وسلبوه نعمة التمتع في وطنه في البادية وباعوه من السيارة ليغربوه من أهله فجعل اللّه سبحانه كيدهم هذا بعينه سببا يتوسل