وقوله :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
مدح للصبر وهو من قبيل وضع السبب موضع المسبب والتقدير : سأصبر على ما أصابني فإن الصبر جميل وتنكير الصبر وحذف صفته وإبهامها للإشارة إلى فخامة أمره وعظم شأنه أو مرارة طعمه وصعوبة تحمله .
وقد فرّع قوله :
« فَصَبْرٌ جَمِيلٌ »
على ما تقدم للإشعار بأن الأسباب التي أحاطت به وأفرغت عليه هذه المصيبة هي بحيث لا يسع له معها إلّا أن يملك سبيل الصبر ، وذلك أنه عليه السّلام فقد أحب الناس اليه يوسف وهو ذا يذكر له أنه صار أكلة للذئب وهذا قميصه ملطخا بالدم وهو يرى أنهم كاذبون فيما يخبرونه به ، ويرى أن لهم صنعا في افتقاده ومكرا في أمره ولا طريق له إلى التحقيق فيما جرى على يوسف والتجسس مما آل اليه أمره وأين هو ؟ وما حاله ؟ فإنما أعوانه على أمثال هذه النوائب وأعضاده لدفع ما يقصده من المكاره إنما هم أبناؤه وهم عصبة أولو قوة وشدة فإذا كانوا هم الأسباب لنزول النائبة ووقوع المصيبة فبمن يقع فيهم ؟ وبما ذا يدفعهم عن نفسه ؟ فلا يسعه إلّا الصبر .
فقوله :
وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
- وهو من أعجب الكلام - بيان لتوكله على ربه يقول : إني أعلم أن لكم في الأمر مكرا وأن يوسف لم يأكله ذئب لكني لا أركن في كشف كذبكم والحصول على يوسف بالأسباب الظاهرة التي لا تغني طائلا بغير إذن من اللّه ولا أتشحط بينها بل أضبط استقامة نفسي بالصبر وأوكل ربي أن يظهر على ما تصفون أن يوسف قد قضى نحبه وصار أكلة لذئب .
فظهر أن قوله :
« وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ »
دعاء في موقف التوكل ومعناه : اللهم إني توكلت عليك في أمري هذا فكن عونا لي على ما يصفه بني هؤلاء ، والكلمة مبنية على توحيد الفعل فإنها مسوقة سوق الحصر ومعناها أن اللّه سبحانه هو المستعان لا مستعان لي غيره فإنه عليه السّلام كان يرى أن لا حكم حقا إلّا حكم اللّه كما قال فيما سيأتي من كلامه
« إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ »
، ولتكميل هذا التوحيد بما هو أعلى منه لم يذكر نفسه فلم يقل :