تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زاد المسير في علم التفسير — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
الصالحين الذين لا يظلمون . قوله تعالى : ( وظن داود ) أي : أيقن وعلم ( أنما فتناه ) فيه قولان : أحدهما : اختبرناه . والثاني : ابتليناه بما جرى له من نظره إلى المرأة وافتتانه بها . وقرأ عمر بن الخطاب : " أنما فتناه " بتشديد التاء والنون جميعا . وقرأ أنس بن مالك ، وأبو رزين ، والحسن ، وقتادة ، وعلي بن نصر عن أبي عمرو : " أنما فتناه " بتخفيف التاء والنون جميعا ، يعني الملكين ، قال أبو علي الفارسي : يريد : صمدا له . وفي سبب علمه وتنبيهه على ذلك ثلاثة أقوال : أحدها : أن الملكين أفصحا له بذلك ، على ما ذكرناه عن السدي . والثاني : أنهما عرجا وهما يقولان : قضى الرجل على نفسه ، فعلم أنه عني بذلك ، قاله وهب . والثالث : أنه لما حكم بينهما ، نظر أحدهما إلى صاحبه وضحك ، ثم صعدا إلى السماء وهو ينظر ، فعلم أن الله [ تعالى ] ابتلاه بذلك ، قاله مقاتل . قوله تعالى : ( فاستغفر ربه ) قال المفسرون : لما فطن داود بذنبه خر راكعا ، قال ابن عباس : أي : ساجدا ، وعبر عن السجود بالركوع ، لأنهما بمعنى الانحناء . وقال بعضهم : المعنى : فخر بعد أن كان راكعا . فصل واختلف العلماء هل هذه من عزائم السجود ؟ على قولين : أحدهما : ليست من عزائم السجود ، وقاله الشافعي . والثاني : أنها من عزائم السجود ، قاله أبو حنيفة . وعن أحمد روايتان . قال المفسرون : فبقي في سجوده أربعين ليلة ، لا يرفع رأسه إلا لوقت صلاة مكتوبة أو حاجة لا بد منها ، ولا يأكل ولا يشرب ، فأكلت الأرض من جبينه ، ونبت العشب من دموعه ، ويقول في سجوده : رب داود ، زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب . وقال مجاهد : نبت البقل من دموعه حتى غطى رأسه ، ثم نادى : رب قرح الجبين وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في خطيئته شئ ، فنودي : أجائع فتطعم ، أم مريض فتشفى ، أم مظلوم فينتصر لك ؟ فنحب نحيبا هاج كل شئ نبت ، فعند ذلك غفر له . وقال ثابت البناني : اتخذ داود سبع حشايا من شعر وحشاهن من الرماد ، ثم بكى حتى أنفذها دموعا ، ولم يشرب شرابا إلا ممزوجا بدموع عينيه . وقال وهب بن منبه : نودي : يا داود ارفع رأسك فإنا قد غفرنا لك ، فرفع رأسه وقد زمن وصار مرعشا .