تساوي الأصل في خلقهم وخلق من قبلهم ، فمن قدر على إهلاك الأقوياء ، قدر على إهلاك
الضعفاء .
قوله تعالى : ( بل عجبت ) " بل " معناه : ترك الكلام في الأول والأخذ في الكلام الآخر ، كأنه
قال : دع يا محمد ما مضى .
وفي " عجبت " قراءتان قرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر : " بل عجبت "
بفتح التاء . وقرأ علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبو عبد الرحمن السلمي ،
وعكرمة ، وقتادة ، وأبو مجلز ، والنخعي ، وطلحة بن مصرف ، والأعمش ، وابن أبي ليلى ، وحمزة ،
والكسائي في آخرين : " بل عجبت " بضم التاء ، واختارها الفراء . فمن فتح أراد : بل عجبت يا
محمد ، ( ويسخرون ) هم . قال ابن السائب : أنت تعجب منهم ، وهم يسخرون منك . وفي ما
عجب منه قولان :
أحدهما : من الكفار إذ لم يؤمنوا بالقرآن .
والثاني : إذ كفروا بالبعث . ومن ضم ، أراد الإخبار عن الله عز وجل أنه عجب ، وقد أنكر هذه
القراءة قوم ، منهم شريح القاضي ، قال : إن الله لا يعجب ، إنما يعجب من لا يعلم ، قال الزجاج :
وإنكار هذه القراءة غلط ، لأن العجب من الله خلاف العجب من الآدمين ، وهذا كقوله تعالى :
( ويمكر الله ) وقوله : ( سخر الله منهم ) ، وأصل العجب في اللغة : أن الإنسان إذا رأى ما
ينكره ويقل مثله ، قال : قد عجبت من كذا ، وكذلك إذا فعل الآدميون ما ينكره الله عز وجل ، جاز أن
يقول عجبت ، والله قد علم الشئ قبل كونه . وقال ابن الأنباري : المعنى : جازيتهم على عجبهم من
الحق ، فسمى الجزاء على الشئ باسم الشئ الذي له الجزاء ، فسمى فعله عجبا وليس بعجب في
الحقيقة ، لأن المتعجب يدهش ويتحير ، والله عز وجل قد جل عن ذلك ، وكذلك سمي تعظيم
الثواب عجبا ، لأنه إنما يتعجب من الشئ إذا كان في النهاية ، والعرب تسمي الفعل باسم الفعل إذا
داناه من بعض وجوهه وإن كان مخالفا له في أكثر معانيه ، قال عدي :
ثم أضحوا لعب الدهر بهم
فجعل إهلاك الدهر وإفساده لعبا ، قال ابن جرير : من ضم التاء ، فالمعنى : بل عظم عندي
وكبر اتخاذهم لي شريكا وتكذيبهم بتنزيلي . وقال غيره : إضافة العجب إلى الله عز وجل على
ضربين :
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 289
مساهمون: ابن الجوزي
ص٢٨٩