تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 655

مساهمون:

ص٦٥٥
فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمام التأميل ] ، وقرّر عنده ما ناله من المكاره في المسير ، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة ، وفضّله على الأشباه ، وصغّر في قدره الجزيل ، وهزّه لفعل الجميل ؛ فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب ، وعدل بين هذه الأقسام ، فلم يجعل واحدا أغلب على الشعر ، ولم يطل فيملّ السامعين ، ولم يقطع وفى النفوس ظمأ إلى المزيد .

[ موازنة بين أبى تمام والبحتري ]

ويتعلق بهذه القطعة ما حدّث به الحاتمي عن نفسه ، وإن كانت الحكاية طويلة فهي غير مملولة ؛ لما لبسته من حلل الآداب ، وتزينت به من حلى الألباب ، قال : جمعني ورجلا من مشايخ البصرة ممن يومأ إليه في علم الشعر مجلس بعض الرؤساء ، وكان خبره قد سبق إلىّ في عصبيّته للبحترى ، وتفضيله إياه على أبى تمام ، ووجدت صاحب المجلس مؤثرا لاستماع كلامنا في هذا المعنى ، فأنشأت قولا أنحيت فيه على البحتري إنحاء أسرفت فيه ، واقتدحت زناد الرجل ، فتكلَّم وتكلمت ، وخضنا في أفانين من التفضيل والمماثلة ، غلوت في جميعها غلوّا شهده جميع من حضر المجلس ، وكانوا جلَّة الوقت ، وأعيان الفضل ، فاضطر إلى أن قال : ما يحسن أبو تمام يبتدئ ، ولا يخرج ، ولا يختم ، ولو لم يكن للبحترى عليه من الفضل إلا حسن ابتداءاته ، ولطف خروجه ، وسرعة انتهائه ، لوجب أن يقع التسليم له ، فكيف بأوابده التي تزداد على التكرار غضارة وجدة ثم أقبل علىّ ، فقال : أين يذهب بك عن ابتدائه :
عارضننا أصلا فقلنا الرّبرب حتى أضاء الأقحوان الأشنب « 1 » واخضرّ موشىّ البرود وقد بدا منهن ديباج الخدود المذهب
هامش
« 1 » الأصل : جمع أصيل ، وهو الوقت ما بين العصر إلى الغروب ، والربرب : جماعة البقر الوحشية ، والأقحوان : نبت له زهر أحمر تشبه به اللثاث ، والأشنب : وصف من الشنب - بفتح الشين والنون - وهى رقة وعذوبة وبرد في الأسنان ( م )