تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 736

مساهمون:

ص٧٣٦
صاحبه ، ونفع الكلام يعمّ ويخصّ ، والرواة لم ترو سكوت الصامتين ، كما روت كلام الناطقين ؛ فبالكلام أرسل اللَّه تعالى أنبياءه لا بالصّمت ، ومواضع الصّمت المحمودة قليلة ، ومواطن الكلام المحمودة كثيرة ، وبطول الصّمت يفسد البيان . وكان يقال : محادثة الرجال تلقيح لألباتها . وذكر الصمت في مجلس سليمان بن عبد الملك فقال : إنّ من تكلَّم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن ، وليس من سكت فأحسن يتكلَّم فيحسن . قال بعض النساك : أسكتتنى كلمة ابن مسعود عشرين سنة ؛ وهى : من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبّخ نفسه .

[ الحنين إلى الأوطان ]

قال أبو عمرو بن العلاء : مما يدلّ على حرية الرجل وكرم غريزته حنينه إلى أوطانه ، وتشوّقه إلى متقدم إخوانه ، وبكاؤه على ما مضى من زمانه . وقالوا : الكريم يحنّ إلى جنابه ، كما يحنّ الأسد إلى غابه . وقالوا : يشتاق اللبيب إلى وطنه ، كما يشتاق النجيب إلى عطنه « 1 » .

ألفاظ لأهل العصر في ذكر الوطن

بلد لا تؤثر عليه بلدا ، ولا تصبر عنه أبدا . هو عشّه الذي فيه درج ، ومنه خرج . مجمع أسرته ، ومقطع سرّته . بلد أنشأته تربته ، وغذّاه هواؤه ، وربّاه نسيمه ، وحلَّت عنه التمائم فيه . قالوا : وكان الناس يتشوّقون إلى أوطانهم ، ولا يفهمون العلَّة في ذلك ، حتى أوضحها علي بن العباس الرّومى في قصيدة لسليمان بن عبد اللَّه بن طاهر يستعديه على رجل من التّجّار ، يعرف بابن أبى كامل ، أجبره على بيع داره واغتصبه بعض جدرها ، بقوله :
هامش
« 1 » النجيب ، هنا . الجمل الأصيل ، والعطن - بفتح العين والطاء جميعا - مبرك الإبل . أي مكان بروكها ( م )
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 736 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد