تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 733

مساهمون:

ص٧٣٣
وفى مقامات أبى الفتح « 1 » الإسكندرى من إنشائه ، قال : حدثنا عيسى بن هشام قال : أحلَّنى جامع بخارى يوم ، وقد انتظمت مع رفقة في سمط الثريّا ، وحين احتفل الجامع بأهله طلع علينا ذو طمرين « 2 » ، قد أرسل صوانا ، واستتلى [ طفلا ] عريانا ، يضيق بالضرّ وسعه ، ويأخذه القرّ ويدعه ، لا يملك غير القشرة « 3 » بردة ، ولا يلتقى لحياه رعدة ، ووقف الرجل وقال : لا ينظر لهذا الطفل إلَّا من رحم طفله ، ولا يرقّ لهذا الضّر إلا من لا يأمن مثله ، يا أصحاب الجدود المفروزة ، والأردية المطروزة ، والدور المنجّدة ، والقصور المشيدة ، إنكم لن تأمنوا حادثا ، ولن تعدموا وارثا ، فبادروا الخير ما أمكن ، وأحسنوا مع الدهر ما أحسن ، فقد واللَّه طعمنا السّكباج « 4 » ، وركبنا الهملاج « 5 » ، ولبسنا الديباج ، وافترشنا الحشايا بالعشايا ، فما راعنا إلا هبوب الدهر بغدره ، وانقلاب المجنّ لظهره ، فعاد الهملاج قطوفا « 6 » ، وانقلب الديباج صوفا ، وهلمّ جرا ، إلى ما تشاهدون من خالى وزيّى ؛ فها نحن نرضع من الدهر ثدي عقيم ، ونركب من الفقر ظهر بهيم ، ولا نرنو إلا بعين اليتيم ، ولا نمد إلا يد العديم ، فهل من كريم يجلو عنا غياهب هذه البؤوس ، ويفلّ شبا هذه النحوس ؟ . ثم قعد مرتفقا ، وقال للطفل : أنت وشأنك . فقال : وما عسى أن أقول ، وهذا الكلام لو لقى الشعر لحلقه ، أو الصخر لفلقه ، وإنّ قلبا لم ينضجه ما قلت لنىء ! قد سمعتم يا قوم ، ما لم تسمعوا قبل اليوم ، فليشغل كلّ منكم بالجود يده ، وليذكر غده ، واقيا بي ولده ، واذكرونى أذكركم ، وأعطونى أشكركم ! قال عيسى بن هشام : فما آنسني في وحدتي إلا خاتم ختّمت به خنصره ، فلما تناوله أنشأ يقول :
وممنطق من نفسه بقلادة الجوزاء حسنا
هامش
« 1 » المراد المقامات التي وضعها البديع على لسان أبى الفتح الإسكندرى ( م ) « 2 » طمرين : مثنى طمر - بالكسر - وهو الثوب الخلق البالي الرث ( م ) « 3 » القشرة : الجلدة ( م ) « 4 » الكباج : ضرب من الطعام ، لحم بخل ( م ) « 5 » الهملاج : الفرس السريع ( م ) « 6 » القطوف : البطىء السير ( م )