هذه هي ملاكات العبادة وهذا مفهومها في ضوء آيات القرآن الكريم فالعبادة
هو الخضوع والتذلل أمام أحد - غير الله - أو طلب شئ منه باعتقاد أنه إله أو
رب أو مستقل في تنفيذ الحاجة ، وهي صفات تختص بالله ، ولا شك أن
خضوعا وطلبا كهذا يكون عبادة ، وعملا متسما بالشرك ، لأنه صير المخلوق
مساويا لله سبحانه في مجالي العقيدة والعمل ، فأعطاه من الصفات ما ليس له
وأعطاه من الخضوع والطلب ما يختص بالله سبحانه .
وبذلك يتضح أنه لا يتصف أي عمل وفعل بالعبادة إلا إذا كان العامل معتقدا
بألوهية من أتى بالعمل لأجله أو بربوبيته .
وإن شئت قلت : إنه لا يكون أي خضوع لفظي أو عملي متسما بسمة العبادة إلا
إذا كان الخاضع معتقدا بأن المخضوع له هو الإله الكبير ، أو الإله الصغير ( كما في
الأوثان والأصنام حسب عقيدة المشركين ) أو اعتقد بربوبيته وأنه مدبر الكون كله
أو بعضه وبيده شؤون الإنسان كله أو بعضه ولا أقل بيده مغفرة الذنوب
والشفاعة ، والإدخال في الجنة والنار .
كما أنه إذا طلب شيئا من إنسان أو ملك لا يعد طلبه وسؤاله واستغاثته عبادة
للمسؤول إلا إذا اعتقد أنه يضر وينفع ، وينقض ويبرم باستقلاله من دون استئذان
من الله سبحانه ، على وجه فوض إليه شأن ذلك العمل .
وأما إذا خلا الخضوع والسؤال من هذه العناصر ولم يكن المخضوع له عند
الخاضع إلها أو ربا ، ولا المسؤول قائما بشئ من عند نفسه ، بل كانا في نظره
وعقيدته من عباد الله الصالحين ، يرجى استجابة دعائهما وقضاء حاجته
في ظل أصول الإسلام — صفحة 135
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٣٥