ثالثا : الحاجة إلى الآخرة
لقد بحثنا في الصفحات الماضية فيما إذا كان حدوث شئ من مثل الآخرة ، التي يدعيها
الدين ، ممكنا ؟ ولقد ثبت ما علمنا أن الآخرة ممكنة الحدوث . . والمسألة التي نقف
أمامها الآن هي : البحث فيما إذا كن هذا العالم في حاجة ؟ فعلا ؟ إلى شئ من قبيل
الآخرة ؟ وهل يقتضي الكون ؟ في هيكله الحالي ؟ وقوعها ؟ ؟ .
* * *
( 1 ) الجانب النفسي :
لنتناول أولا ( الجانب النفسي ) من المسألة .
يقول البروفيسور ( كنجهام ) في كتابه : Plato ' s Apalogy : ان عقيدة الحياة بعد الموت
لا أدرية مفرحة Cheerful Agnosticism ، ومن الممكن اعتبار هذا القول خلاصة أفكار
فلاسفتنا الملحدين المعاصرين ، فهم يرون أن عقيدة الآخرة اخترعتها عقلية الانسان
الباحثة عن عالم حر ، مستقل عن حدود هذا العالم ، ومشكلاته ، مليء بالأفراح . وانما
يدفعه إلى الايمان بهذه العقيدة أمله في الحصول على حياته المفضلة ، التي لا جهد فيها
ولا كدح . . وأن هذه العقيدة تنتهي بالإنسان إلى عالم مثالي وخيالي ، حيث يحلم بأنه سوف
يظفر به بعد الموت . ولكن الحقيقة ؟ كما يراها الفلاسفة ؟ أن لا وجود لشيء كهذا
العالم الثاني في الأمر الواقع ! .
وفي رأيي : أن هذا المطلب الانساني ؟ في حد ذاته ؟ دليل نفسي قوي على وجود عالم
آخر ، كالظمأ ، فهو يدل على الماء ، وعلى علاقة خاصة باطنة بين الماء وبين الانسان .
وهكذا فان تطلع الانسان ؟ نفسيا ؟ إلى عالم آخر دليل في ذاته على أن شيئا مثل ذلك
موجود في الحقيقة ، أو أنه ؟ على الأقل ؟ خليق أن يوجد . وهذا المطلب النفسي يؤكد
علاقة مصيرنا بهذه الحقيقة ، ويدلنا التاريخ على وجود هذه الغريزة الانسانية منذ
أقدم العصور على مستوى انساني ، وهو أمر لا أستطيع فهمه : كيف يمكن أن يؤثر أمر باطل
على البشر في هذا الشكل الأبدي ، وعلى مستوى انساني ؟ وهذا الواقع نفسه يدلنا على
قرينة قوية بامكان وجود العالم الآخر . وانكار هذه الحاجة النفسية ، بدون أدلة ، يعتبر
جهلا وتعصبا .
ان الذين ينكرون حاجة نفسية عظيمة مثل هذه زاعمين أنها باطلة ، هم من أعجز الناس حقا
عن تفهم أي واقع على سطح الأرض بعد هذا . . ولو كانوا يزعمون الفهم في الواقع
فلا أدري بأي دليل ؟ . . . وعن أي برهان ؟ .
ولو كانت هذه الأفكار نتاج المجتمع ، كما يزعمون ، فكيف لا تزال تطابق التفكير
الانساني ، بهذه الصورة المدهشة ، من اقدم العصور ؟ هل تجدون مثالا لأية أفكار انسانية
الإسلام يتحدى — صفحة 91
مساهمون: وحيد الدين خان
ص٩١