أخرى ظلت باقية إلى العصر الحاضر ، وبهذا التسلسل الرائع منذ ألوف السنين ؟ هل يستطيع
أذكى أذكيائهم أن يخترع فكرا واهيا ، ثم يدخله إلى النفس الانسانية ، وكأنه موجود بها
منذ الأزل ؟ .
ان لكل انسان أماني كثيرة لا تكلل بالنجاح في حياته ، انه يتمنى حياة أبدية ، ولكن
الحياة التي أعطيت له تخضع لقانون الموت . والعجيب أن الانسان عندما يكون على أبواب
حياة ناجحة عظيمة ، بعدما كسب من العلم والمعرفة ، والخبرة والتجارب الثمنية ، حينئذ
تداهمه دعوة الموت . . ولقد أكدت احصائية عن تجار لندن الناجحين أن أمرهم يستقر فيما
بين ؟ 45 65 سنة من أعمارهم ، ثم يبدأون يربحون ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف جنيه
في السنة ، وفي ذلك الوقت الثمين ؟ فجأة ؟ تتوقف حركات قلوبهم ذات مساء ، أو ذات
صباح ، فيرحلون إلى عالم مجهول ، تاركين تجارتهم الممتدة إلى ما وراء البحار . .
يقول الأستاذ وينوود ريد ( Winwood Reade ) :
انه لأمر هام يدعونا إلى التفكير فيما إذا كانت لنا علاقة شخصية مع الاله ؟ هل هناك
عالم غير عالمنا هذا ؟ وهل سوف نلقى جزاء أعمالنا في ذلك العالم ؟ ان هذا السؤال ليس
بعقدة فلسفية عظيمة فحسب ، وانما هو في نفس الوقت أعظم أسئلتنا العملية أيضا . انه
سؤال تتعلق به مصالحنا الكثيرة ، فحياتنا الراهنة قصيرة جدا ، أفراحها عادية موقوتة ،
إذ اننا عندما نظفر بما نحلم به ، يفاجئنا الموت ، ولو استطعنا الاهتداء إلى طريق
خاصة تجعل أفراحنا دائمة وأبدية ، فلن يرفض العمل به أحد غير البله والمجانين
منا ( 1 ) .
ولكن الكاتب نفسه يستطرد فينكر ذلك المطلب النفسي الكبير من أجل أمور لا وزن لها
ولا قيمة ، فهو يقول : ان هذه العقيدة كانت معقولة جدا حين كنا لا نبحث جوانبها بعمق
وجد . . ولكن بعد هذا البحث اتضح لنا أنها أمر سخيف ، ويمكن اثبات سخافته بسهولة ،
فالفلاح المحروم العقل الجاهل لا يتحمل مسؤولية خطاياه ، وسيدخل الجنة ، ولكن العباقرة
مثل ( جوته ) ، و ( روسو ) ، سوف يحترقون في نار الجحيم ، فلأن يخلق الانسان محروم العقل
خير له من أن يكون من أمثال جوته وروسو ! ! ان هذا الكلام تافه وسخيف ( 2 ) .
وما أشبه هذا الموقف بالذي اتخذه ( اللورد كلوين ) تجاه التحقيق العلمي الذي قام به
( ماكسويول ) ، فقد زعم اللورد أنه لا يستطيع أن يفهم نظرية ما إلا بعد وضع نموذجها
الميكانيكي ، وبناء على هذا الفرض أنكر نظرية ماكسويل عن البرق والمغناطيس ، لأنها
هامش
( 1 ) Martyrdom of Man , p . 414 .
( 2 ) Ibid , p . 415 .