لم تحل في أحد نماذج اللورد المادية ! ان مثل هذه المواقف والادعاءات الخرافية أصحبت
غريبة في عالم الطبيعة الحديثة . ويتساءل العالم الكبير ( سوليفان ) :
كيف يروق لاحد أن يدعي أن الطبيعة لابد أن تكون كما يضعها مهندس القرن التاسع عشر
في معمله ( 1 ) ؟ .
وسوف أوجه هذا الكلام إلى الأستاذ ( وينوود ) :
كيف يجوز لفيلسوف القرن العشرين أن يرى : أن يكون الكون الخارجي ، في حقيقة الأمر
مطابقا لما يزعمه هو ؟ .
ان كاتبنا لم يستطع أن يفهم أمرا في غاية البساطة : هو أن الحقيقة لا تحتاج إلى
الواقع الخارجي ، وانما الواقع الخارجي هو الذي يكون في حاجة إلى الحقيقة . .
فالحقيقة أن لهذا الكون إلها ، وسوف نمثل أمامه يوم الحساب . فلا بد لكل منا ؟ سواء
أكان روسو أم كان مواطنا عاديا ؟ أن يكون وفيا ومطيعا لإلهه ، فنجاتنا لن يحققها
جحودنا ، بل هي تكمن في ايماننا وطاعتنا . . والغريب أن كاتبنا لم يرق له أن يطالب
( جوته ) و ( روسو ) أن يسلكا مسلك الحق ، وانما طالب الحق بالتغير ! ولما لم يطع الحق راح
ينكره ! ! وهذا أشبه بمن ينكر قانون حفظ الأسرار العسكرية ، الذي يكرم أحيانا جنديا
بسيطا ، ويعدم عالما ممتازا ، مثل روز نبيرج وعقيلته الحسناء بالكرسي الكهربائي ! ! .
* * *
انه لا يوجد على سطح الأرض من يفكر في ( الغد ) غير الانسان . فهو يتميز عن سائر
الحيوانات بدوام تفكيره في المستقبل ، وجهاده المتواصل ، وسعيه الدائب في سبيل تحسين
أحواله . ولا شك اننا قد نجد بعض الحيوانات تعمل لمستقبلها ، كالنمل الذي يدخر غذاءه
للشتاء القادم ، والطيور التي تصنع أعشاشا يسكنها أولادها بعد فقسهم ، ولكن هذا العمل
لدى الحيوانات يعتبر غرزيا ، فهو صادر عن غير شعور بالمسؤولية ، انها لا تقوم بهذه
الأعمال لقلقها من مشكلات الغد ، وانما تأتي بها طبيعيا ، ومن ثم تنتفع بها في
المستقبل فالتفكير في المستقبل يتطلب فكرا مدركا واعيا ، وهو من ميزات الانسان فحسب ،
ولا يتمتع به شئ من الحيوانات غيره .
هذا الفرق الكبير بين الانسان والحيوان يؤكد أنه لابد أن تكون للانسان مواقع أكثر
بالنسبة إلى أي نوع آخر للانتفاع بها ، فحياة الحيوانات هي ما تسمى حياة اليوم ،
ففكرة الغد لا توجد عندها ، ولكن مطالعة حياة الانسان تقتضي غدا ، ولو أنكرنا هذه
الحاجة لخالفنا الطبيعة .
هامش
( 1 ) JWN Sulivan The Limitations of Science , p . 9 .