تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإسلام يتحدى — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
يقول ( فرويد ) في محاضرته الحادية والثلاثين : ان قوانين المنطق ، بل أصول الأضداد أيضا ، لا تحول دون عمل ( اللا شعور ) ID وان الأماني المتناقضة موجودة فيه جنبا إلى جنب ، دون أن تقضى واحدة منها على الأخرى ، ولا شئ في اللا شعور يشبه أن يكون رفضا لشيء من هذه المتناقضات . اننا نتحير لما نشاهده من أن اللا شعور يبطل رأي فلاسفتنا القائلين بأن جميع أفعالنا العقلية الشعورية تتم في زمن محدد ، ولكن لا شئ في اللا شعور يطابق الفكر ألزمني ، ولا يوجد فيه أي رمز لمضي الوقت وسريانه ، وهي حقيقة محيرة . ولم يحاول الفلاسفة أن يتأملوا حقيقة ، هي أن مضى الزمن لا يحدث أي تغيير في العمل الذهني ، ان الدوافع الحبيسة ( Conative impulses ) التي لم تخرج قط عن اللا شعور ، وحتى التأملات الخيالية التي دفنت في اللا شعور ؟ تكون أزلية في الحقيقة والواقع ، وتبقى محفوظة لعشرات السنين ، وكأنها لم تحدث الا بالأمس ( 1 ) . وقد سلم علماء النفس بهذه النظرية بصفة عامة اليوم ، ومعناها أن كل ما يخطر على بال الانسان من الخير والشر ، ينقش في صفحة اللا شعور ، فلا يزول إلى الأبد ، ولا يؤثر فيه تغير الزمان ، وتقلب الحدثان ، ويحدث هذا على رغم الإرادة الانسانية ؟ طوعا أو كرها . ولم يستطع ( فرويد ) ان يدرك ما يكمن خلف هذه العملية من أسباب وعلل ، وأية خدمة تؤديها في مصنع الكون ؟ ولهذا نراه يدعو الفلاسفة إلى التفكير والتأمل . ولكنا لو قارنا هذا الواقع مقرونا إلى نظرية الآخرة لاستطعنا أن نصل إلى حقيقتها بسرعة ، ان هذا الواقع يؤكد بكل صراحة امكان وجود سجل كامل لأعمال الانسان في حيازته ، عندما يبدأ حياته الأخرى ، فان وجود نفسه سوف يشهد على الأعمال والنيات التي عاشها : ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ، ونحن أقرب اليه من حبل الوريد ( 2 ) . * * * ( 1 ) مسألة القول : ولنتناول هنا مسألة القول : ان نظرية الآخرة تقول بأن الانسان مسؤول عن ( أقواله ) ، فجميع ما نلفظه من كلام ، حسنا كان أو قبيحا ، حمدا أو سخطا ، وسواء استعملنا اللسان في ابلاغ رسالة الحق ، أو استعملناه في ابلاغ رسالة الشيطان ، كل ذلك يحفظ في سجل كامل : ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد ( 3 ) . وهذا السجل سوف يعرض أمام محكمة الآخرة ليتم حساب الانسان .
هامش
( 1 ) New Introductory Lectures on Psycho - Analysis , London 1949 , p . 99 . ( 2 ) ق : 16 . ( 3 ) ق : 18 .
الإسلام يتحدى — صفحة 87 | وحيد الدين خان / عبد الصبور شاهين