مهرة يستطيعون ان يصنعوا أجساما كجسم الانسان ، بكل مواصفاتها ، فلنجرب ؟ ؟ لو كان
معارضو الروح يصرون على حقيقة مبدئهم ؟ ولنصنع مئات من أمثال هذه الأجسام ، ولنضعها
في شتى الميادين ، في بقعة الأرض الفسيحة ، ثم لننتظر ذلك الوقت الذي تمشى فيه هذه
الأجسام وتتكلم وتأكل بناء على تأثيرات العالم الخارجي ! ؟ .
* * *
فهذا عن أماكن بقاء الحياة بعد الموت .
ثانيا : ضرورة الآخرة
لنفكر الآن في الأسباب التي أقام الدين عليها دعوته إلى الايمان بهذه النظرية : ان
الحياة ، كما نتصور ، ليست غدوا ورواحا ، كما يراها الفيلسوف الألماني ( نيتشه ) ،
والتي تمتلئ وتخلو كالساعة ، ولا هدف لها أكثر من ذلك . . ان الحياة الآخرة ذات هدف
عظيم ، هو المجازاة على أعمال الدنيا ، خيرا كانت أو شرا . وهذا الجزء من نظرية الآخرة
يكاد يتضح جليا حين نعلم أن اعمال كل انسان تحفظ وتسجل بصفة دائمة ، وبغير توقف .
وللإنسان ثلاثة أبعاد ، يعرف من خلالها ، هي : نيته ، وقوله ، وعمله . وهذه الأبعاد
الثلاثة تسجل بأكملها . فكل حرف يخرج عن لساننا ، وكل عمل يصدر عن عضو من أعضائنا ؟
يسجل في الأثير ( الفضاء ) ، ويمكن عرضه في أي وقت من الأوقات بكل تفاصيله ، لنعرف ؟
إذا شئنا ؟ كل ما قاله ، أو فعله أي انسان في هذه الحياة الدنيا ، من خير أو شر .
ان الأفكار تخطر على بالنا ، وسرعان ما ننساها ، ويبدو لنا أنها انتهت ، فلم يعد لها
وجود ، ولكنا ، بعد فترة طويلة ، نراها رؤى خلال النوم ، أو نذهب نتكلم عنها في حالات
الهستريا أو الجنون ، دون أن ندري شيئا مما نقول . وهذه الوقائع تثبت قطعيا أن العقل
أو الحافظة ليست تلك التي نشعر ونحس بها فحسب ، وانما هناك أطراف أخرى من هذه
الحافظة لا نشعر بها ، وهي ذات وجود مستقل ، وذات كيان قائم بنفسه .
ولقد أثبتت التجارب العلمية أن جميع أفكارنا تحفظ في شكلها الكامل ، ولسنا قادرين
على محوها أبدا ، وأثبتت هذه التجارب أيضا أن الشخصية الانسانية لا تنحصر فيما نسميه
الشعور ، بل هناك أجزاء أخرى من الشخصية الانسانية تبقى وراء الشعور ، يسميها
فرويد : ما تحت الشعور ، أو اللا شعور . وهذه الاجزاء تشكل جانبا كبيرا من شخصيتنا
بل هي الجانب الأكبر منها فمثلها لمثل جبل من الجليد في أعالي البحار أجزاؤه
الثمانية مستكنة تحت الماء ، على حين لا يطفو منه الا الجزء التاسع . وتلك هي ما نسميه :
( تحت الشعور ) ، الذي يسجل ويحفظ كل ما نفكر فيه ، أو ننتويه .
الإسلام يتحدى — صفحة 86
مساهمون: وحيد الدين خان
ص٨٦