في بداية القرن العشرين كنا كذلك نملك تلسكوبا ضعيفا ، فلما شاهدنا السماء بهذا
المنظار وجدنا أجراما كثيرة كالنور ، فاستنبطنا انها سحب من البخار والغاز ، تمر
بمرحلة قبل أن تصير نجوما . ولكنا حين تمكنا من صناعة منظار قوي ، وشاهدنا هذه
الاجرام مرة ثانية علمنا أن هذه الاجرام الكثيرة المضيئة هي مجموعة من نجوم كثيرة
شوهدت كالسحب . ، نتيجة البعد الهائل بينها وبين الأرض .
وهكذا نجد ان التجربة والمشاهدة ليستا وسيلتي العلم القطعيتين ، وان العلم لا ينحصر
في الأمور التي شوهدت بالتجربة المباشرة . لقد اخترعنا الكثير من الآلات والوسائل
الحديثة للملاحظة الواسعة النطاق . ولكن الأشياء التي نلاحظها بهذه الوسائل كثيرا ما
تكون أمورا سطحية ، وغير مهمة نسبيا . اما النظريات التي يتوصل إليها بناء على هذه
المشاهدات فهي أمور لا سبيل إلى ملاحظتها . والذي يطالع العلم الحديث ، يجد ان أكثر
آرائه تفسير للملاحظات وان هذه الآراء لم تجرب مباشرة ، ذلك أن بعض الملاحظات يحمل
العلماء على الايمان بوجود بعض حقائق غير مشاهدة قطعية ، فأي عالم من علماء عصرنا لا
يستطيع ان يخطو خطوة دون الاعتماد على ألفاظ مثل : القوة Force والطاقة Energy
والطبيعة Nature وقانون الطبيعة Law of Nature ، وما إلى ذلك . ولكن هذا العالم
لا يدري ما القوة والطاقة والطبيعة وقانونها ؟ فهو قد صاغ كلمات تعبر عن وقائع
معلومة ، لكي يبين عن علل غير معلومة . وهذا العالم لا يقدر على تفسير هذه الألفاظ ،
تماما كرجل الدين ، لا يستطيع تفسير صفات الاله ، وكلاهما يؤمن بدوره بعلل غير
معلومة .
* * *
يقول الدكتور ( الكسيس كيرل ) :
ان الكون الرياضي شبكة عجيبة من القياسات والفروض ، لا تشتمل على شئ غير معادلة
الرموز ، الرموز التي تحتوي على مجردات لا سبيل إلى تفسيرها ( 1 )
والعلم الحديث لا يدعي ، ولا يستطيع ان يدعي ، ان الحقيقة محصورة فيما علمناه من
التجربة المباشرة ، فالحقيقة ان الماء سائل . ونستطيع مشاهدة هذه الحقيقة بأعيننا
المجردة . ولكن الواقع ان كل ( جزء ) من الماء يشتمل على ذرتين من الهيدروجين ، وذرة
من الأوكسجين وليس من الممكن ان نلاحظ هذه الحقيقة العلمية ، ولو اتينا بأقوى
ميكروسكوب في العالم ، غير أنها ثبتت لدى العلماء لايمانهم بالاستدلال المنطقي .
* * *
هامش
( 1 ) Man The Unknown , p . 15 .