الباب الثالث : طريقة الاستدلال العلمي
ان قضية العصر الحاضر ضد الدين هي قضية طريقة الاستدلال ، أعني الطريقة الجديدة التي
كشفها العلم الحديث بعد التطورات في ميادينه العديدة ، بحيث لم تعد تقف امامها دعوى
الدين وعقائده هذه الطريقة الجديدة هي معرفة الحقيقة بالتجربة والمشاهدة على حين
تتصل عقائد الدين بعالم ما وراء حواسنا ، ولا يمكن اخضاعها للتجربة . ( فالدين كله
مبني على قياس واستقراء ) ( 1 ) . وهذا هو ما يجعله باطلا ، لأنه ليس له أساس علمي .
وقضية العصر الحاضر باطلة ، لأنها لا تقوم على أسس علمية ، فالطريقة الجديدة لا تنفي
وجود أشياء لم تجرب مباشرة ، كما لا تنفي قياس أشياء لم نشاهدها على أشياء شاهدناها
تجريبيا وهو ما يسمى قياسا علميا ، ويعتبر كالتجربة المباشرة ، فالتجربة لا تعد
حقيقة علمية لمجرد انها شوهدت ، كما أن القياس ليس باطلا لمجرد انه قياس . فامكان
الصحة والبطلان موجود فيهما على سواء .
كان الناس في القديم يصنعون السفن الشراعية من الخشب . اعتقادا منهم ان الماء لا
يحمل الا ما يكون أخف منه وزنا ، وحين قال بعضهم : ان السفن الحديدية سوف تطفو على سطح
الماء كالتي من الخشب . أنكر الناس عليه مقالته واتخذوه هزوا ، وجاء نحاس فألقى بنعل
من حديد في دلو مملوء بالماء ليشهد الناس على أن هذه القطعة الحديدة بدل ان تطفو
على سطح الماء استقرت في القاع . كان هذا العمل تجربة . ولكننا جميعا نعتقد اليوم
انها كانت تجربة باطلة ، فلو كان النحاس قد القى بطبق من حديد لشاهد بعينيه صدق ما
قيل من طفو السفن الحديدية .
هامش
( 1 ) ومثاله ان أصحاب الدين إذا أرادوا اثبات وجود الاله لا يقدرون على ذلك باستعمال
التلسكوب ، ولكنهم يستدلون بان نظام الكون وروحه العجيبة تدلان على أنه يوجد عقل
إلهي وراءهما . وهذا الدليل لا يثبت وجود الاله مباشرة ، وانما هو يثبت قرينة تستلزم
الايمان بالله بعد الايمان بها .