ويقول البروفسور ا . ي . ماندير :
ان الحقائق التي نتعرفها مباشرة تسمى الحقائق المحسوسة Percieved Facts بيد ان
الحقائق التي توصلنا إلى معرفتها لا تنحصر في الحقائق المحسوسة ، فهناك حقائق أخرى
كثيرة لم نتعرف عليها مباشرة ، ولكننا عثرنا عليها على كل حال ، ووسيلتنا في هذه
السبيل هي الاستنباط ، فهذا النوع من الحقائق هو ما نسميه بالحقائق المستنبطة
Inferred Facts والاهم هنا ان نفهم انه لا فرق بين الحقيقتين ، وانما الفرق هو في
التسمية ، . من حيث تعرفنا على الأولى مباشرة ، وعلى الثانية بالواسطة ، والحقيقة دائما
هي الحقيقة ، سواء عرفناها بالملاحظة أو بالاستنباط ( 1 )
ويضيف ماندير قائلا :
ان حقائق الكون لا تدرك الحواس منها غير القليل ، فكيف يمكن ان نعرف شيئا عن الكثير
الآخر ؟ . . هناك وسيلة وهي الاستنباط أو التعليل ، وكلاهما طريق فكري ، نبتدئ به
بوساطة حقائق معلومة ، حتى ننتهي بنظرية : ان الشيء الفلاني يوجد هنا ولم نشاهده
مطلقا ( 2 )
وهنا نتسأل : كيف يصح الاستنباط المنطقي لأشياء لم نشاهدها قط ؟ وكيف يمكن ان نسمي
هذا الاستنباط بناء على طلب العقل : حقيقة علمية ؟ ويجيب ماندير بنفسه عن هذا السؤال :
ان المنهج التعليلي صحيح ، لأن الكون نفسه عقلي .
فالكون كله مرتبط بعضه بالآخر ، حقائقه متطابقة ، ونظامه عجيب ، ولهذا فان اية دراسة
للكون لا تسفر عن ترابط حقائقه وتوازنها هي دراسة باطلة . ويقول ماندير في هذا
الصدد :
ان الوقائع المحسوسة هي اجزاء من حقائق الكون ، غير أن هذه الحقائق التي ندركها
بالحواس قد تكون جزئية وغير مرتبطة بالأخرى . فلو طالعناهما فذة مجردة عن أخواتها
فقدت معناها مطلقا . فاما إذا درسناها في ضوء الحقائق الكثيرة مما علمناه مباشرة
أو بلا مباشرة ، فإننا سندرك حقيقتها .
ثم يأتي بمثال سليم يفسر ذلك فيقول :
اننا نرى ان الطير عندما يموت يقع على الأرض ، ونعرف ان رفع الحجر على الظهر أصعب ،
ويتطلب جهدا ، ونلاحظ ان القمر يدور في الفلك ، ونعلم أن الصعود
هامش
( 1 ) A . E . Mander , Clearer Thinking , London , p . 46 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 49 .