هو الآخر ، مثل رجل الدين ، يقدم أحسن تمنياته إلى الهه . فكل انسان مجبور على أن يتخذ
شيئا ما إلها له ، ويقدم له قرابين أمانيه الصادقة .
ولكن الانسان إذا قدم هذه القرابين لغير الله ، فهو يشرك بمن يستحق وحده العبادة . . .
و ( ان الشرك لظلم عظيم ) ( 1 ) ، والظلم أن تضع الشيء في غير موضعه ، فلو كنت تريد أن تتخذ
من غطاء الوعاء قبعة فهو ظلم ، والانسان عندما يميل إلى غير الله لملء فراغه
النفسي ويتخذ من غير الله ملجأ له ، فهو ينحاز عن مكانه الصحيح ، ويتخذ من غريزته
أسوأ أسباب الضلال .
وكما كانت هذه الغريزة فطرية ، فإنها تظهر دائما في صورتها الطبيعية متجهة إلى الله ،
ولكن المجتمع ، وأحوال البيئة ، يعطيان هذه الغريزة اتجاها مغايرا ، فتبدأ الشكوك
تساور الانسان في أول الأمر ، ولكنه سرعان ما يتخلص من هذه الشكوك ، عمدا أو عفوا ،
لأنه يتمتع بحرية أكثر في الحياة الجديدة ، فيرضى بها ولو ظاهريا .
* * *
فقد كان برتراند رسل شديد العلاقة بالدين في أول حياته ، وكان يواظب على حضور
صلوات الكنيسة باهتمام ، وفي يوم من الأيام سأله جده : ما تكون دعواتك المفضلة يا
برني ؟ .
فأسرع الشاب برتراند رسل يقول : لقد سئمت الحياة ، وأنا مدفون تحت وطأة ذنوبي ؟ يا
إلهي ! وعندما جاوز برتراند الثالثة عشرة من عمره بدأت خواطر التمرد تراود ذهنه ،
بفعل البيئة التي أحاطت به ، إلى أن تحول ذلك الطفل المواظب على صلوات الكنيسة فأصبح
من بعد برتراند رسل الفيلسوف الملحد ، الذي لا يؤمن بالحقائق السماوية . وقد أجرت
الإذاعة البريطانية حديثا معه عام 1959 ، وعندما سأله فريمان ؟ المعلق السياسي
بالإذاعة ؟ : هل وجدت أن هواية الاشتغال بالرياضيات والفلسفة يمكن أن تحل محل
المشاعر الدينية عند الانسان ؟ ، أجاب رسل قائلا : نعم ، لقد وصلت في سن الأربعين
إلى الطمأنينة التي قال عنها أفلاطون : انه يمكن الحصول عليها من طريق الرياضيات .
انها عالم أبدي ، حر ، لا يقاس بزمان . ولقد حظيت في هذا العالم بسكينة تشبه تلك التي
يحصلون عليها في الدين .
لقد أنكر هذا المفكر البريطاني حقيقة المعبود السماوي ، ولكنه لم يستطع الاستغناء عن
ضرورتها القصوى ، بسبب الغريزة الفطرية التي ولد بها الانسان ، فجاء بالرياضيات
والفلسفة ، وأجلسهما في المقعد المخصص لله وحده . بل اضطر أيضا أن يخلع على الرياضيات
والفلسفة
هامش
( 1 ) لقمان : 13 .