ولذلك نجده سبحانه إذا وعد وعدا علقه على عنوان من العناوين العامة كالإيمان والعمل الصالح يدور معه الوعد الجميل من غير أن يخص به اشخاصا بأعيانهم فيفيد التناقض بالجمع بين التكليف والتأمين كما قال تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ
( الآية 72 من السورة ) ، وقال تعالى :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
- إلى أن قال -
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
( الفتح / 29 ) .
قوله تعالى :
وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ
الآية ؛ الظاهر أن المراد بالمعذرين هم أهل العذر كالذي لا يجد نفقة ولا سلاحا بدليل قوله :
« وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا »
الآية ؛ والسياق يدل على أن في الكلام قياسا لإحدى الطائفتين إلى الأخرى ليظهر به لؤم المنافقين وخستهم وفساد قلوبهم وشقاء نفوسهم ، حيث إن فريضة الجهاد الدينية والنصرة للّه ورسوله هيج لذلك المعذرين من الأعراب وجاءوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم يستأذنونه ، ولم يؤثر في هؤلاء الكاذبين شيئا .
قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ
المراد بالضعفاء بدلالة سياق الآية : الذين لا قوة لهم على الجهاد بحسب الطبع كالزمنى كما أن المرضى لا قوة لهم عليه بحسب عارض مزاجي ، والذين لا يجدون ما ينفقون لا قوة لهم عليه من جهة فقد المال ونحوه .
فهؤلاء مرفوع عنهم الحرج والمشقة أي الحكم بالوجوب الذي لو وضع كان حكما حرجيا ، وكذا ما يستتبعه الحكم من الذم والعقاب على تقرير المخالفة .
وقد قيد اللّه تعالى رفع الحرج عنهم بقوله :
« إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ »
وهو ناظر إلى الذم والعقاب على المخالفة والقعود فإنما يرفع الذم والعقاب عن هؤلاء المعذورين إذا نصحوا للّه ورسوله ، وأخلصوا من الغش والخيانة ولم يجروا في قعودهم على ما يجري عليه المنافقون