قوله :
« قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ »
فإن الاعتذار لا فائدة تترتب عليه بعد الحكم بكفرهم بعد إيمانهم .
والمراد بإيمانهم هو ظاهر الإيمان الذي كانوا يتظاهرون به لا حقيقة الإيمان الذي هو من الهداية الإلهية التي لا يعقبها ضلال ، ويؤيد قوله تعالى في آخر هذه الآيات :
« وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ »
فبدل الإيمان إسلاما وهو ظاهر الشهادتين .
ويمكن ان يقال : إن من مراتب الإيمان ما هو اعتقاد واذعان ضعيف غير آب عن الزوال كإيمان الذين في قلوبهم مرض وقد عدهم اللّه من المؤمنين وذكرهم مع المنافقين لأمنهم ، ولا مانع من أن ينسلخوا هذا الإيمان .
وكيف لا ؟ وقد سلخ اللّه الايمان ممن هو ارسخ إيمانا منهم كالذي يقصه في قوله :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ
( الأعراف / 176 ) .
وقال أيضا :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
( النساء / 137 ) وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر الكفر بعد الايمان فلا مانع من زوال الاعتقاد القلبي قبل رسوخه وهو اعتقاد .
نعم الايمان المستقر والاعتقاد الراسخ لا سبيل إلى عروض الزوال له قال تعالى :
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي
( الأعراف / 178 ) وقال :
فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ
( النحل / 37 ) .
وقوله :
« إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً »
يدل على أن هؤلاء المنافقين المذكورين في الآيات كانوا ذوي عدد وكثرة ، وان كلمة العذاب وقعت عليهم لا بد لهم من العذاب فلو شمل بعضهم عفو إلهي لمصلحة في ذلك وقع العذاب على الباقين فهذا معنى الجملة :
« إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً »
بحسب ما يفهم من نظمه وسياقه .