ولا ضير في التعبير بالجمع والمقصود الأصيل بيان حكم فرد خاص من أفراده لأن الملاك عام ، والتعليل الوارد في الآية غير مقيد بخصوص المسجد الحرام فالكلام في معنى : ما كان لهم ان يعمروا المسجد الحرام لأنه مسجد والمساجد من شأنها ذلك .
وقوله :
« شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ »
المراد بالشهادة أداؤها وهو الاعتراف إما قولا كمن يعترف بالكفر لفظا ، وإما فعلا كمن يعبد الأصنام ويتظاهر بكفره فكل ذلك من الشهادة والملاك واحد .
فمعنى الآية : لا يحق ولا يجوز للمشركين أن يرمّوا ما استرمّ من المسجد الحرام كسائر مساجد اللّه والحال أنهم معترفون بالكفر بدلالة قولهم أو فعلهم .
قوله تعالى :
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ
في مقام التعليل لما أفيد من الحكم في قوله :
« ما كانَ »
الخ ؛ ولذلك جيء به بالفصل دون الوصل .
والمراد بالجملة الأولى بيان بطلان الأثر وارتفاعه عن أعمالهم ، والعمل إنما يؤتي به للتوسل به إلى أثر مطلوب ، وإذ كانت أعمالهم حابطة لا أثر لها لم يكن ما يجوز لهم الإتيان بها ، والأعمال العبادية كعمارة مساجد اللّه إنما تقصد لما يطمع فيه ويرجى من أثرها وهو السعادة والجنة ، والعمل الحابط لا يتعقب سعادة ولا جنة البتة .
والمراد بالجملة الثانية بيان ظرفهم الذي يستقرون فيه لولا السعادة والجنة وهو النار فكأنه قيل : أولئك لا يهديهم أعمالهم العبادية إلى الجنة بل هم في النار الخالدة ، ولا تفيد لهم سعادة بل هم في الشقاوة المؤبدة .
وفي الآية دلالة على أصلين لطيفين من أصول التشريع :
أحدهما : أن تشريع الجواز بالمعنى الأعم الشامل للواجبات والمستحبات والمباحات يتوقف على أثر في الفعل ينتفع به فاعله فلا لغو مشروعا في الدين ، وهذا أصل يؤيده العقل ، وهو منطبق على الناموس الجاري في الكون : أن لا فعل إلّا لنفع عائد إلى فاعله .