وثانيهما : ان الجواز في جميع موارده مسبوق بحق مجعول من اللّه لفاعله في أن يأتي بالفعل من غير مانع .
قوله تعالى :
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
الآية السياق كاشف عن أن الحصر من قبيل قصر الإفراد كأن متوهما يتوهم أن للمشركين والمؤمنين جميعا أن يعمروا مساجد اللّه فافرد وقصر ذلك في المؤمنين ، ولازم ذلك ان يكون المراد بقوله :
« يَعْمُرُ »
إنشاء الحق والجواز في صورة الإخبار دون الإخبار ، وهو ظاهر .
وقد اشترط سبحانه في ثبوت حق العمارة وجوازها أن يتّصف العامر بالإيمان باللّه واليوم الآخر قبال ما نفى عن المشركين ان يكون لهم ذلك ولم يقنع بالإيمان باللّه وحده لأن المشركين يذعنون به تعالى بل شفّع ذلك بالإيمان باليوم الآخر لأن المشركين ما كانوا مؤمنين به ، وبذلك يختص حق العمارة وجوازها بأهل الدين السماوي من المؤمنين .
ولم يقنع بذلك أيضا بل ألحق به قوله :
« وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ »
لأن المقام مقام بيان من ينتفع بعمله فيحق له بذلك ان يقترفه ، ومن كان تاركا للفروع المشروعة في الدين وخاصة الركنين : الصلاة والزكاة فهو كافر بآيات اللّه لا ينفعه مجرّد الإيمان باللّه واليوم الآخر وإن كان مسلما ، إذا لم ينكرها بلسانه ، ولو أنكرها بلسانه أيضا كان كافرا غير مسلم .
وقد خصّ من بينها الصلاة والزكاة بالذكر لكونهما الركنين الذين لا غنى عنهما في حال من الأحوال .
وبما ذكرنا من اقتضاء المقام يظهر ان المراد بقوله :
« وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ »
الخشية الدينية وهي العبادة دون الخشية الغريزية التي لا يسلم منها إلّا المقرّبون من أولياء اللّه كالأنبياء قال تعالى :
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ
( الأحزاب / 39 ) .
والوجه في التكنية عن العبادة بالخشية ان الأعرف عند الانسان من علل اتخاذ الإله