للعبادة الخوف من سخطه أو الرجاء لرحمته ، ورجاء الرحمة أيضا يعود بوجه إلى الخوف من انقطاعها وهو السخط فمن عبد اللّه سبحانه أو عبد شيئا من الأصنام فقد دعاه إلى ذلك اما الخوف من شمول سخطه أو الخوف من انقطاع نعمته ورحمته فالعبادة ممثلة للخوف والخشية مصداق لهما لتمثيلها إياها ، وبينهما حالة الاستلزام ، ولذلك كني بها عنها ، فالمعنى - واللّه اعلم - ولم يعبد أحدا من دون اللّه من الآلهة .
وقوله :
فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
اي أولئك الذين آمنوا باللّه واليوم الآخر ولم يعبدوا أحدا غير اللّه سبحانه يرجى في حقهم ان يكونوا من المهتدين ، وهذا الرجاء قائم بأنفسهم أو بأنفس المخاطبين بالآية ، وأما هو تعالى فمن المستحيل ان يقوم به الرجاء الذي لا يتم إلّا مع الجهل بتحقق الأمر المرجو الحصول .
وانما أخذ الاهتداء مرجو الحصول لا محقق الوقوع مع أن من آمن باللّه واليوم الآخر حقيقة وحققه اعماله العبادية فقد اهتدى حقيقة لأن حصول الاهتداء مرة أو مرات لا يستوجب كون العامل من المهتدين ، واستقرار صفة الاهتداء ولزومها له ، فالتلبس بالفعل الواقع مرة أو مرات غير التلبس بالصفة اللازمة فأولئك حصول الاهتداء لهم محقق ، وأما حصول صفة المهتدين فهو مرجوّ التحقق لا محقق .
وقد تحصّل من الآية أن عمارة المساجد لا تحق ولا تجوز لغير المسلم أما المشركون فلعدم إيمانهم باللّه واليوم الآخر ، وأما أهل الكتاب فلأن القرآن لا يعدّ ايمانهم باللّه ايمانا قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا
( النساء / 151 ) ، وقال أيضا في آية 29 من السورة :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
الآية .