ولعل إلقاء المقابلة في الآية بين الإلّ والذمة للدلالة على أنهم لا يحفظون في المؤمنين شيئا من المواثيق التي يجب رقوبها وحفظها سواء كانت مبنية على أصول واقعية تكوينية كالقرابة التي توجب بوجه على القريب رعاية حال قريبه ، أو على الجعل والاصطلاح كالعهود والمواثيق المعقودة بحلف ونحوه .
وقد كررت لفظة
« كَيْفَ »
للتأكيد ولرفع الإبهام في البيان الناشئ من تخلل قوله :
« إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ »
الآية ؛ بطولها بين قوله :
« كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ »
الآية ؛ وقوله :
« وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ »
الآية .
فمعنى الآية : كيف يكون للمشركين عهد عند اللّه وعند رسوله والحال أنهم إن يظهروا عليكم ويغلبوكم على الامر لا يحفظوا ولا يراعوا فيكم قرابة ولا عهدا من العهود يرضونكم بالكلام المدلّس والقول المزوّق ، ويأبى ذلك قلوبهم ، وأكثرهم فاسقون .
ومن هنا ظهر أن قوله :
« يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ »
من المجاز العقلي نسب فيه الإرضاء إلى الأفواه وهو في الحقيقة منسوب إلى القول والكلام الخارج من الأفواه المكوّن فيها .
وقوله :
يُرْضُونَكُمْ
الآية ؛ تعليل لإنكار وجود العهد للمشركين ولذلك جيء به بالفصل ، والتقدير : كيف يكون لهم عهد وهم يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون .
وأما قوله :
« وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ »
ففيه بيان أن أكثرهم ناقضون للعهد والميثاق بالفعل من غير أن ينتظروا ظهورهم جميعا عليكم فالآية توضح حال آحادهم وجميعهم بأن أكثرهم فاسقون بنقض العهد من غير أن يرقبوا في مؤمن إلّا ولا ذمة ، ولو أنهم ظهروا عليكم جميعا لم يرقبوا فيكم الإلّ والذمة .
قوله تعالى :
اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
إلى آخر الآيتين ، بين وتفسير لقوله في الآية السابقة :
« وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ »
وكأن قوله :
« اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا »
إلى آخر