بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 66 )
بيان :
قوله تعالى :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
الكلام مسوق لبيان كون هؤلاء شر جميع الموجودات الحية من غير شك في ذلك لما في تقييد الحكم بقوله :
« عِنْدَ اللَّهِ »
من الدلالة عليه فان معناه الحكم ؛ وما يحكم ويقضي به اللّه سبحانه لا يتطرق اليه خطأ وقد قال تعالى :
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
( طه / 52 ) .
وقد افتتح هذه القطعة من الكلام المتعلق بهم بكونهم شر الدواب عنده لأن مغزى الكلام التحرز منهم ودفعهم ، ومن المغروز في الطباع ان الشر الذي لا يرجى معه خير يجب دفعه بأي وسيلة صحت وأمكنت فناسب ما سيأمره في حقهم بقوله :
« فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ »
الخ ؛ الافتتاح ببيان كونهم شر الدواب .
وعقّب قوله :
« الَّذِينَ كَفَرُوا »
بقوله :
« فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
مبتدأ بفاء التفريع اي ان من وصفهم الذي يتفرع على كفرهم انهم لا يؤمنون ، ولا يتفرع عدم الايمان على الكفر إلّا إذا رسخ في النفس رسوخا لا يرجى معه زواله فلا مطمع حينئذ في دخول الإيمان في قلب هذا شأنه لمكان المضادة التي بين الكفر والايمان .
ومن هنا يظهر ان المراد بقوله :
« الَّذِينَ كَفَرُوا »
الذين ثبتوا على الكفر ، وعند هذا يرجع معنى هذه الآية إلى نظيرتها السابقة :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
( الأنفال / 23 ) .
على أن الآيتين لما دلّتا على حصر الشر عند اللّه في طائفة معينة من الدواب كانت الآية الأولى مع دلالتها على كون أهلها ممن لا يؤمنون البتة دالة على أن المراد بقوله في الآية الثانية :
« الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
كونهم ثابتين على كفرهم لا يزولون عنه البتة .